فهرس الكتاب

الصفحة 2371 من 4264

وحدانية خالقهما لما في كل واحد منهما من الفوائد من الكسب بالنهار والاستراحة بالليل والزيادة في أجزاء أحدهما بالنقصان من أجزاء الآخر ولأن كل واحد منهما ينقضي لمجيء الآخر وذلك يدل على حدوثهما إذ القديم لا يجوز عليه الانقضاء وعلى أن لهما محدثا قادرا عالما وقد علمنا ضرورة أن أحدا من البشر لم يحدثهما لعجز البشر عن ذلك فدل على أنه من صنع القديم القادر لذاته العالم لذاته الذي ليس كمثله شيء ولا يتعذر عليه شيء وقيل إن الآيتين هنا الشمس والقمر «فمحونا آية الليل» وهي القمر أي طمسنا نورها بما جعلنا فيها من السواد عن ابن عباس «وجعلنا آية النهار» يعني الشمس «مبصرة» أي نيرة مضيئة للأبصار يبصر أهل النهار النهار بها وقيل إن معناه جعلنا آية الليل ممحوة والمراد جعلنا الليل مظلما لا يبصر فيه كما لا يبصر ما يمحى من الكتاب وجعلنا آية النهار مبصرة أي جعلنا النهار مضيئا يبصر فيه وتدرك الأشياء فيه وعلى هذا فتكون آية الليل هي الليل نفسه وآية النهار هي النهار نفسه كما يقال نفس الشيء وعين الشيء وهذا من عجيب البلاغة وقيل إن آية الليل ظلمته وآية النهار ضوءه فالمراد محونا ظلمة الليل بضوء النهار ومحونا ضوء النهار بظلمة الليل إلا أنه ذكر أحدهما وحذف الآخر لدلالة المذكور على المحذوف ثم بين سبحانه الغرض في ذلك وقال «لتبتغوا فضلا من ربكم» أي لتسكنوا بالليل وتطلبوا الرزق بأنواع التصرف في النهار إلا أنه حذف لتسكنوا بالليل لما ذكره في مواضع أخر «ولتعلموا عدد السنين والحساب» أي لتعلموا بالليل والنهار عدد السنين والشهور وآجال الديون وغير ذلك من المواقيت ولتعلموا حسنات أعماركم وآجالكم ولو لا الليل والنهار لما علم شيء من ذلك «وكل شيء فصلناه تفصيلا» أي ميزناه تمييزا ظاهرا بينا لا يلتبس وبيناه تبيانا شافيا لا يخفى .

اتصلت الآية الأولى بقوله «عسى ربكم أن يرحمكم» والوجه فيه أنه لما أمر بني إسرائيل بالرجوع إلى الطريق المستقيم من التوبة وقبول الإسلام بين أن ذلك الطريق هذا الكتاب الذي يدل على ما هو أحسن الأديان وقيل يتصل بقوله «وآتينا موسى الكتاب» أي كما آتيناه التوراة آتينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) القرآن الذي يهدي إلى الأحسن الأقوم وقيل اتصل بقوله «سبحان الذي أسرى» كأنه قال أسرى بعبده وآتاه الكتاب الذي هذه صفته وإنما اتصل قوله «يدع الإنسان بالشر» الآية مما تقدم من بشارة الكفار بالعذاب فبين عقيبه أنهم يستعجلون العذاب جهلا وعنادا ثم بين أنه يستجيب لهم ما فيه صلاحهم ثم بين بالآية الأخرى أنه أنعم عليهم بوجوه النعم كالليل والنهار ونحو ذلك وإن لم يشكروه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت