يصادفونك كاذبا كما تقول أحمدته إذا أصبته محمودا ويدل على الوجه الأول قول الكميت:
وطائفة قد أكفرتني بحبكم
وطائفة قالت مسيء ومذنب أي نسبتني إلى الكفر قال أحمد بن يحيى كان الكسائي يحكي عن العرب أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاءك بكذب وكذبته إذا أخبرت أنه كذاب .
ثم سلى سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) على تكذيبهم إياه بعد إقامة الحجة عليهم فقال «قد نعلم» نحن يا محمد «إنه ليحزنك الذي يقولون» أي ما يقولون إنك شاعر أو مجنون وأشباه ذلك «فإنهم لا يكذبونك» دخلت الفاء في أنهم لأن الكلام الأول يقتضيه كأنه قيل إذا كان قد يحزنك قولهم فاعلم أنهم لا يكذبونك واختلف في معناه على وجوه (أحدها) أن معناه لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عنادا وهو قول أكثر المفسرين عن أبي صالح وقتادة والسدي وغيرهم قالوا يريد أنهم يعلمون أنك رسول الله ولكن يجحدون بعد المعرفة ويشهد لهذا الوجه ما روى سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدني أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل فقيل له في ذلك فقال والله إني لأعلم إنه صادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف فأنزل الله هذه الآية وقال السدي التقى أخنس ابن شريق وأبو جهل بن هشام فقال له يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس هاهنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا فقال أبو جهل ويحك والله إن محمدا لصادق وما كذب قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والندوة والنبوة فما ذا يكون لسائر قريش (وثانيها) أن المعنى لا يكذبونك بحجة ولا يتمكنون من إبطال ما جئت به ببرهان ويدل عليه ما روي عن علي (عليه السلام) إنه كان يقرأ «لا يكذبونك» ويقول إن المراد بها إنهم لا يأتون بحق هو أحق من حقك (وثالثها) أن المراد لا يصادفونك كاذبا تقول العرب قاتلناكم فما أجبناكم أي ما أصبناكم جبناء قال الأعشى:
أثوى وقصر ليلة ليزودا
فمضى وأخلف من قتيلة موعدا أراد صادف منها خلف الوعد وقال ذو الرمة: