أعداء فألف بين قلوبكم» بجمعكم على الإسلام ورفع البغضاء والشحناء عن قلوبكم «فأصبحتم بنعمته» أي بنعمة الله «إخوانا» متواصلين وأحبابا متحابين بعد أن كنتم متحاربين متعادين وصرتم بحيث يقصد كل واحد منكم مراد الآخرين لأن أصل الأخ من توخيت الشيء إذا قصدته وطلبته «وكنتم على شفا حفرة من النار» أي وكنتم يا أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) على طرف حفرة من جهنم لم يكن بينها وبينكم إلا الموت فأنقذكم الله منها بأن أرسل إليكم رسولا وهداكم للإيمان ودعاكم إليه فنجوتم بإجابته من النار وإنما قال «فأنقذكم منها» وإن لم يكونوا فيها لأنهم كانوا بمنزلة من هو فيها من حيث كانوا مستحقين لدخولها قال أبو الجوزاء قرأ ابن عباس «وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها» وأعرابي يسمع فقال والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يقحمهم فيها فقال ابن عباس اكتبوها من غير فقيه «كذلك يبين الله لكم آياته» أي مثل البيان الذي تلي عليكم يبين الله لكم الآيات أي الدلالات والحجج فيما أمركم به ونهاكم عنه «لعلكم تهتدون» أي لكي تهتدوا إلى الحق والصواب .
الأمة اشتقاقها من الأم الذي هو القصد في اللغة تستعمل على ثمانية أوجه منها الجماعة ومنها اتباع الأنبياء لاجتماعهم على مقصد واحد ومنها القدوة لأنه يأتم به الجماعة ومنها الدين والملة كقوله «إنا وجدنا آباءنا على أمة» ومنها الحين والزمان كقوله تعالى «وادكر بعد أمة» وإلى أمة معدودة ومنها القامة يقال رجل حسن الأمة أي القامة ومنها النعمة ومنها الأمة بمعنى الأم .
«منكم أمة» من هاهنا للتبعيض على قول أكثر المفسرين لأن الأمر بالمعروف وإنكار المنكر ليسا بفرضين على الأعيان وهما من فروض الكفايات فأي فرقة قامت بهما سقطا عن الباقين ومن قال إنهما من فروض الأعيان قال أن من هاهنا للتبيين ولتخصيص المخاطبة دون سائر الأجناس كقوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان وقول الشاعر: