فإن تصبرا فالصبر خير مغبة
وإن تجزعا فالأمر ما تريان .
ثم بين سبحانه أنه إنما خلق الخلق ليعبدوه وليؤمنوا به لا ليكفروا فقال «ألم تر» أي ألم تعلم لأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم كما تكون بمعنى الإدراك للبصر وهاهنا لا يمكن أن يكون بمعنى الرؤية بالبصر والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمراد به الأمة «أن الله خلق السماوات والأرض» على ما تقتضيه الحكمة والخلق فعل الشيء على تقدير وترتيب «بالحق» أي بقوله الحق وقيل أراد للحق أي للغرض الصحيح والأمر الحق وهو الدين والعبادة أي ليعبدوه فيستحقوا به الثواب عن ابن عباس والجبائي «إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد» أي إن يشأ يهلككم ويفنكم ويخلق قوما آخرين مكانكم لأن من قدر على بناء الشيء كان على هدمه أقدر إذ لم يخرج عن كونه قادرا «وما ذلك على الله بعزيز» أي وما إهلاككم والإتيان بخلق جديد بممتنع ولا متعذر على الله تعالى «وبرزوا لله جميعا» أخبر سبحانه أن الخلق يبرزون يوم القيامة لله أي يظهرون من قبورهم ويخرجون منها لحكم الله فاللفظ للماضي والمراد به الاستقبال للتحقيق وصحة الوقوع وقيل معناه سيبرزون لله جميعا القادة والاتباع عن ابن عباس وهو يتصل بقوله «ولا يكاد يسيغه» .
لما تقدم ذلك الوعيد بين صفة ذلك اليوم وما يجري بين الأتباع والمتبوعين من المجادلة وقال «فقال الضعفاء للذين استكبروا» أي تكبروا عن الإيمان فلم يؤمنوا وهم القادة في الدنيا الذين هم الأكابر والرؤساء والقادة في الدين الذين هم علماء السوء «إنا كنا لكم تبعا» في الكفر على وجه التقليد «فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء» أي هل أنتم دافعون عنا شيئا من عذاب الله الذي قد نزل بنا إن لم تقدروا على دفع الكل ومن للتبعيض «قالوا لو هدانا الله لهديناكم» أي قال المتبوعون للأتباع لو هدانا الله إلى طريق الخلاص من العقاب والوصول إلى النعيم والثواب لهديناكم إلى ذلك والمعنى لو خلصنا لخلصناكم أيضا لكن لا مطمع فيه لنا ولكم عن الجبائي وأبي مسلم وقيل معناه لو هدانا الله إلى الرجعة إلى الدنيا فنصلح ما أفسدناه لهديناكم وقيل لو هدانا الله بإجابتنا إلى الطلب لهديناكم بالمسالة له سبحانه ذكر هذين الوجهين القاضي عبد الجبار في تفسيره «سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص» يعني أن الصبر والجزع سيان مثلان ليس لنا محيص ولا مهرب من عذاب الله أي انقطعت حيلتنا ويئسنا من النجاة .
حث الله سبحانه في هذه الآية على النظر وحذر من التقليد وإلى هذا أشار أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في قوله للحارث الهمداني يا حار الحق لا يعرف