لما ذكر سبحانه الفناء والإعادة عقب ذلك بذكر الوعيد والتهديد فقال «سنفرغ لكم أيه الثقلان» أي سنقصد لحسابكم أيها الجن والإنس عن الزجاج قال والفراغ في اللغة على ضربين (أحدهما) القصد للشيء يقال سأفرغ لفلان أي سأجعله قصدي (والآخر) الفراغ من شغل والله عز وجل لا يشغله شأن عن شأن وقيل معناه سنعمل عمل من يفرغ للعمل فيجوده من غير تضجيع فيه وقيل سنفرغ لكم من الوعيد بتقضي أيامكم المتوعد فيها فشبه ذلك بمن فرغ من شيء وأخذ في آخر والشغل والفراغ من صفات الأجسام التي تحلها الأعراض وتشغلها عن الأضداد في تلك الحال ولذلك وجب أن يكون في صفة القديم تعالى مجازا ويدل على أن الثقلين المراد بهما الجن والإنس قوله «يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا» أي تخرجوا هاربين من الموت يقال نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية «من أقطار السماوات والأرض» أي جوانبهما ونواحيهما والمعنى حيث ما كنتم أدرككم الموت «فانفذوا» أي فاخرجوا فلن تستطيعوا أن تهربوا منه «لا تنفذون إلا بسلطان» أي حيث توجهتم فثم ملكي ولا تخرجون من سلطاني فأنا آخذكم بالموت عن عطاء ومعنى السلطان القوة التي سلط بها على الأمر ثم الملك والقدرة والحجة كلها سلطان وقيل «لا تنفذون إلا بسلطان» أي لا تخرجون إلا بقدرة من الله وقوة يعطيكموها بأن يخلق لكم مكانا آخر سوى السماوات والأرض ويجعل لكم قوة تخرجون بها إليه فبين سبحانه بذلك أنهم في حبسه وأنه مقتدر عليهم لا يفوتونه وجعل ذلك دلالة على توحيده وقدرته وزجرا لهم عن معصيته ومخالفته وقيل إن المعنى في الآية إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا فإنه لا يمكنكم ذلك «لا تنفذون إلا بسلطان» أي لا تعلمونه إلا بحجة وبيان عن ابن عباس وقيل لا تنفذون إلا بسلطان معناه حيث ما شاهدتم حجة الله وسلطانه الذي يدل على توحيده عن الزجاج «فبأي آلاء ربكما تكذبان» أي بأي نعمة تكذبان أبإخباره عن تحيركم لتحتالوا له بعمل الطاعة واجتناب المعصية أو بإخباره عنكم إنكم لا تنفذون إلا بحجة لتستعدوا لذلك اليوم «يرسل عليكما شواظ من نار» وهو اللهب الأخضر المنقطع من النار «ونحاس» وهو الصفر المذاب للعذاب عن مجاهد وابن عباس وسفيان وقتادة وقيل النحاس الدخان عن ابن عباس في رواية أخرى وسعيد بن جبير وقيل النحاس المهل عن ابن مسعود والضحاك والمعنى لا تنفذون ولو جاز أن تنفذوا وقدرتم عليه لأرسل عليكم العذاب من النار المحرقة وقيل معناه أنه يقال لهم