و إنما دخله معنى الإنكار مع أن أصله الاستفهام لأن المسئول يسأل عن أغراض مختلفة فقد يسأل للتعجيز عن إقامة البرهان وقد يسأل للتوبيخ مما يظهر من معنى الجواب في السؤال وقد يسأل لما يظهر فيه من الإنكار وإنما عطف قوله «شهدوا» وهو فعل على إيمانهم وهو اسم لأن الإيمان مصدر والمراد به الفعل والتقدير بعد أن آمنوا وشهدوا وأجمعين تأكيد للناس ودخلت الفاء في قوله «فإن الله غفور رحيم» لأنه يشبه الجزاء إذ كان الكلام قد تضمن معنى إن تابوا فإن الله يغفر لهم ولا يجوز أن يكون في موضع خبر الذين لأن الذين في موضع نصب بالاستثناء من الجملة التي هي قوله «أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله» ولا يحمل على المنقطع مع حسن الاتصال لأنه الأصل في الكلام والأسبق إلى الأفهام .
قيل نزلت الآيات في رجل من الأنصار يقال له حارث بن سويد بن الصامت وكان قتل المحذر بن زياد البلوي غدرا وهرب وارتد عن الإسلام ولحق بمكة ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) هل لي من توبة فسألوا فنزلت الآية إلى قوله «إلا الذين تابوا» فحملها إليه رجل من قومه فقال إني لأعلم أنك لصدوق ورسول الله أصدق منك وأن الله أصدق الثلاثة ورجع إلى المدينة وتاب وحسن إسلامه عن مجاهد والسدي وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) وقيل نزلت في أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قبل مبعثه ثم كفروا بعد البعثة حسدا وبغيا عن الحسن والجبائي وأبي مسلم .
لما بين تعالى أن الإسلام هو الدين الذي به النجاة بين حال من خالفه فقال «كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم» فيه وجوه (أحدها) أن معناه كيف يسلك الله بهم سبيل المهتدين بالإثابة لهم والثناء عليهم وقد كفروا بعد إيمانهم - (وثانيها) أنه على طريق التبعيد كما يقال كيف أهديك إلى الطريق وقد تركته أي لا طريق يهديهم به إلى الإيمان إلا من الوجه الذي هداهم به وقد تركوه ولا طريق غيره - (وثالثها) أن المراد كيف يهديهم الله إلى الجنة ويثيبهم والحال هذه وقوله «وشهدوا أن الرسول حق» عطف على قوله «بعد إيمانهم» دون قوله «كفروا» وتقديره بعد أن آمنوا وشهدوا أن الرسول حق «وجاءهم البينات» أي البراهين والحجج وقيل القرآن وقيل جاءهم ما في كتبهم من البشارة لمحمد «والله لا يهدي القوم الظالمين» أي لا يسلك بالقوم الظالمين مسلك المهتدين ولا يثيبهم ولا يهديهم إلى طريق الجنة لأن المراد الهداية المختصة