أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته والبغي طلب الاستعلاء بالظلم وأصله من بغيت الحاجة إذا طلبتها .
قيل في نصب قائما قولان (أحدهما) أنه حال من اسم الله تعالى مؤكدة لأن الحال المؤكدة يقع مع الأسماء في غير الإشارة تقول أنه زيد معروفا وهو الحق مصدقا وشهد الله قائما بالقسط أي قائما بالعدل (والثاني) أنه حال من هو من قوله «لا إله إلا هو» وبغيا نصب على وجهين (أحدهما) على أنه مفعول له والمعنى «وما اختلف الذين أوتوا الكتاب» للبغي بينهم مثل حذر الشر ونحو ذلك وقيل أنه منصوب بما دل عليه وما اختلف كأنه لما قيل «وما اختلف الذين أوتوا الكتاب» دل على (وما بغى الذين أوتوا الكتاب) فحمل بغيا عليه .
لما قدم تعالى ذكر أرباب الدين أتبعه بذكر أوصاف الدين فقال «شهد الله أنه لا إله إلا هو» أي أخبر الله بما يقوم مقام الشهادة على وحدانيته من عجيب صنعته وبديع حكمته وقيل معنى شهد الله قضى الله عن أبي عبيدة قال الزجاج وحقيقته علم الله وبين ذلك فإن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه ومنه شهد فلان عند القاضي أي بين ما علمه فالله تعالى قد دل على توحيده بجميع ما خلق وبين أنه لا يقدر أحد أن ينشئ شيئا واحدا مما أنشأه «والملائكة» أي وشهدت الملائكة بما عاينت من عظيم قدرته «وأولوا العلم» أي وشهد أولوا العلم بما ثبت عندهم وتبين من صنعه الذي لا يقدر عليه غيره وروي عن الحسن أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير شهد الله أنه لا إله إلا هو «قائما بالقسط» وشهدت الملائكة أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط وشهد أولوا العلم أنه «لا إله إلا هو» قائما بالقسط والقسط العدل الذي قامت به السماوات والأرض ورواه أصحابنا أيضا في التفسير وأولوا العلم هم علماء المؤمنين عن السدي والكلبي وقيل معنى قوله «قائما بالقسط» أنه يقوم بإجراء الأمور وتدابير الخلق وجزاء الأعمال بالعدل كما يقال فلان قائم بالتدبير أي يجري أفعاله على الاستقامة وإنما كرر قوله «لا إله إلا هو» لأنه بين بالأول أنه المستحق للتوحيد لا يستحقه سواه وبالثاني أنه القائم برزق الخلق وتدبيرهم بالعدل لا ظلم في فعله «العزيز الحكيم» من تفسيره وتضمنت الآية الإبانة عن فضل العلم والعلماء لأنه تعالى قرن العلماء بالملائكة وشهادتهم بشهادة الملائكة وخصهم بالذكر كأنه لم يعتد بغيرهم والمراد بهذا العلم التوحيد وما يتعلق به من علوم الدين لأن الشهادة وقعت عليه