الموت فهو سقيم وإن لم يكن به سقم في الحال وما روي أن إبراهيم (عليه السلام) كذب ثلاث كذبات قوله «إني سقيم» وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله في سارة أنها أختي فيمكن أن يحمل أيضا على المعاريض أي سأسقم وفعله كبيرهم على ما ذكرناه في موضعه وسارة أخته في الدين وقد ورد في الخبر إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب والمعاريض أن يقول الرجل شيئا يقصد به غيره ويفهم عنه غير ما يقصده ولا يكون ذلك كذبا فإن الكذب قبيح بعينه ولا يجوز ذلك على الأنبياء لأنه يرفع الثقة بقولهم جل أمناء الله تعالى وأصفياؤه عن ذلك وقوله «فتولوا عنه مدبرين» إخبار عن قومه أنهم لما سمعوا قوله «إني سقيم» تركوه وأعرضوا عنه وخرجوا إلى عيدهم «فراغ إلى آلهتهم» معناه فمال إلى أصنامهم التي كانوا يدعونها آلهة «فقال ألا تأكلون» خاطبها وإن كانت جمادا على وجه التهجين لعابديها وتنبيههم على أن من لا يتكلم ولا يقدر على الجواب كيف تصح عبادتها وكانوا صنعوا للأصنام طعاما تقربا إليها وتبركا بها فلما لم تجيبوه قال «ما لكم لا تنطقون» زيادة في تهجين عابديها كأنهم حاضرون لها أي ما لكم لا تجيبون وفي هذا تنبيه على أنها جماد لا تأكل ولا تنطق فهي أخس الأشياء وأقلها «فراغ عليهم ضربا باليمين» أي فمال على الأصنام يضربها ويكسرها باليد اليمني لأنها أقوى على العمل عن الربيع بن أنس وقيل المراد باليمين القوة كما في قوله:
تلقاها عرابة باليمين عن الفراء وهو قول السدي وقيل معناه بالقسم الذي سبق منه وهو قوله وتالله لأكيدن أصنامكم «فأقبلوا إليه يزفون» أي أقبلوا بعد الفراغ من عيدهم إلى إبراهيم يسرعون عن الحسن وابن زيد وقيل يزفون زفيف النعام وهو حالة بين المشي والعدو عن مجاهد وفي هذا دليل أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بأصنامهم فقصدوه مسرعين وحملوه إلى بيت أصنامهم وقالوا له أنت فعلت هذا بإلهتنا فأجابهم على وجه الحجاج عليهم بأن «قال أتعبدون ما تنتحون» فهو استفهام معناه الإنكار والتوبيخ أي كيف يصح أن يعبد الإنسان ما يعمله بيده فإنهم كانوا ينحتون الأصنام بأيديهم «والله خلقكم وما تعملون» أي وخلق ما علمتم من الأصنام فكيف تدعون عبادته وتعبدون معمولكم وهذا كما يقال فلان يعمل الحصير وهذا الباب من عمل فلان النجار قال الحسن معناه وخلق أصل الحجارة التي تعملون منها الأصنام وهذا يجري مجرى قوله تلقف ما يأفكون وقوله تلقف ما صنعوا في أنه أراد المنحوت من الجسم هنا دون العرض الذي هو النحت كما أراد هناك المأفوك فيه والمصنوع فيه من الحبال والعصي دون العرض الذي هو فعلهم فليس لأهل الجبر تعلق بهذه الآية في الدلالة على أن الله سبحانه خالق لأفعال العباد لأن من المعلوم أن الكفار لم يعبدوا نحتهم