فهرس الكتاب

الصفحة 878 من 4264

يلحقه سهو ثم وصف سبحانه أولي الألباب فقال «الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم» أي هؤلاء الذين يستدلون على توحيد الله بخلقه السماوات والأرض هم الذين يذكرون الله قائمين وقاعدين ومضطجعين أي في سائر الأحوال لأن أحوال المكلفين لا تخلو من هذه الأحوال الثلاثة وقد أمروا بذكر الله تعالى في جميعها وقيل معناه يصلون لله على قدر إمكانهم في صحتهم وسقمهم فالصحيح يصلي قائما والسقيم يصلي جالسا وعلى جنبه أي مضطجعا فسمي الصلاة ذكرا رواه علي بن إبراهيم في تفسيره ولا تنافي بين التفسيرين لأنه غير ممتنع وصفهم بالذكر في هذه الأحوال وهم في الصلاة وهو قول ابن جريج وقتادة «ويتفكرون في خلق السماوات والأرض» أي ومن صفة أولي الألباب أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض ويتدبروا في ذلك ليستدلوا به على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته وعلمه وحكمته ثم يقولون «ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك» أي ما خلقت هذا الخلق عبثا وقيل بالباطل وللباطل بل خلقته لغرض صحيح وحكمة ومصلحة ليكون دليلا على وحدانيتك وحجة على كمال حكمتك ثم ينزهونه عن كل ما لا يليق بصفاته أو يلحق نقصا بذاته فيقولون «سبحانك» أي تنزيها لك عما لا يجوز عليك فلم تخلقهما عبثا ولا لعبا بل تعريضا للثواب والأمن من العقاب «فقنا عذاب النار» بلطفك الذي يتمسك معه بطاعتك وفي هذه الآية دلالة على أن الكفر والقبائح والضلال ليست خلقا لله لأن هذه الأشياء كلها باطلة بلا خلاف وقد نفى الله تعالى ذلك بحكايته عن أولي الألباب الذين رضي أقوالهم بأنه لا باطل فيما خلقه فيجب بذاك القطع على أن القبائح كلها غير مضافة إليه ومنفية عنه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ثم حكى عن أولي الألباب الذين وصفهم بأنهم أيضا يقولون «ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته» قيل في وجوه (أحدها) أن معناه فضحته وأهنته فيكون منقولا من الخزي ونظيره قوله «ولا تخزون في ضيفي» (وثانيها) قول المفضل أن معناه أهلكته وأنشد:

أخزى الإله من الصليب إلهه

واللابسين ملابس الرهبان (وثالثها) أن معناه أحللته محلا ووقفته موقفا يستحيا منه فيكون منقولا من الخزاية التي معناها الاستحياء وقال ذو الرمة:

خزاية أدركته بعد جولته

من جانب الدف مخلوطا به الغضب واختلف أهل التأويل في المعنى بهذه الآية فروي عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وقتادة وابن جريج أن الإخزاء يكون بالتابيد في النار وهي خاصة بمن لا يخرج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت