قتر «عليه رزقه» وجعله على قدر البلغة «فيقول ربي أهانن» أي فيظن أن ذلك هوان من الله ويقول ربي أذلني بالفقر ثم قال «كلا» أي ليس كما ظن فإني لا أغني المرء لكرامته علي ولا أفقره لمهانته عندي ولكني أوسع على من أشاء وأضيق على من أشاء بحسب ما توجبه الحكمة ويقتضيه الصلاح ابتلاء بالشكر والصبر وإنما الإكرام على الحقيقة يكون بالطاعة والإهانة تكون بالمعصية ثم بين سبحانه ما يستحق به الهوان فقال بل إنما أهنت من أهنت لأنهم عصوني .
ثم فصل العصيان فقال «بل لا تكرمون اليتيم» وهو الطفل الذي لا أب له أي لا تعطونهم مما أعطاكم الله حتى تغنوهم عن ذل السؤال وخص اليتيم لأنهم لا كافل لهم يقوم بأمرهم وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بالسبابة والوسطى قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون في حجر أمية بن خلف يتيما وكان يدفعه عن حقه فعلى هذا فإنه يحتمل معنيين (أحدهما) إنكم لا تحسنون إليه (والآخر) إنكم لا تعطونه حقه من الميراث على ما جرت به عادة الكفار من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث ولا تحضون على طعام المسكين أي ولا تحثون على إطعامه ولا تأمرون بالتصدق عليه ومن قرأ «لا تحاضون» أراد لا يحض بعضكم بعضا على ذلك والمعنى أن الإهانة ما فعلتموه من ترك إكرام اليتيم ومنع الصدقة من الفقير لا ما توهمتموه وقيل إن المراد إنما أعطيتكم المال لذلك فإذا لم تفعلوه فذلك يوجب إهانتكم «وتأكلون التراث» أي الميراث وقيل أموال اليتامى عن أبي مسلم قال ولم يرد الميراث الحلال لأنه لا يلام آكله عليه قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أموالهم وقيل يأكلون الميراث فيما يشتهون ولا يتفكرون في إخراج ما أوجب الله عليهم من الحقوق فيه «أكلا لما» شديدا تلمون جميعه في الأكل وقيل هو أن يأكل نصيبه ونصيب غيره عن الحسن وقيل هو أن يأكل ما يجده ولا يفكر فيما يأكله من خبيث وطيب عن ابن زيد «وتحبون المال حبا جما» أي كثيرا شديدا عن ابن عباس ومجاهد والمعنى تحبون جمع المال وتولعون به فلا تنفقونه في خير وقيل يحبون كثرة المال من فرط حرصهم فيجمعونه من غير وجهه ويصرفونه في غير وجهه ولا يتفكرون في العاقبة ثم قال سبحانه «كلا» أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا وقال مقاتل: معناه لا يفعلون ما أمروا به في اليتيم والمسكين وقيل كلا زجر تقديره لا تفعلوا هكذا ثم خوفهم فقال «إذا دكت الأرض دكا دكا» أي كسر كل شيء على ظهرها من جبل أو بناء أو شجر حتى زلزلت فلم يبق عليها شيء يفعل ذلك مرة بعد مرة وقيل دكت الأرض أي مدت يوم القيامة مد الأديم عن ابن عباس وقيل دقت جبالها وإنشازها حتى استوت عن ابن قتيبة والمعنى استوت في انفراشها وذهب دورها وقصورها وسائر أبنيتها حتى تصير كالصحراء