يريد عند البعث عن ابن عباس ومقاتل «علمت نفس ما قدمت وأخرت» وهذا كقوله سبحانه ينبؤ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر وقد مر ذكره عن عبد الله بن مسعود قال ما قدمت من خير أو شر وما أخرت من سنة حسنة استن بها بعده فله أجر من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء أو سنة سيئة عمل بها بعده فعليه وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ويؤيد هذا القول ما جاء في الحديث أن سائلا قام على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فسأل فسكت القوم ثم أن رجلا أعطاه فأعطاه القوم فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من استن خيرا فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه من غير منتقص من أجورهم ومن استن شرا فاستن به فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منتقص من أوزارهم قال فتلا حذيفة بن اليمان «علمت نفس ما قدمت وأخرت» «يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم» أي أي شيء غرك بخالقك وخدعك وسول لك الباطل حتى عصيته وخالفته وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما تلا هذه الآية قال غره جهله واختلف في معنى الكريم فقيل هو المنعم الذي كل أفعاله إحسان وإنعام لا يجربه نفعا ولا يدفع به ضررا وقيل هو الذي يعطي ما عليه وما ليس عليه ولا يطلب ماله وقيل هو الذي يقبل اليسير ويعطي الكثير وقيل إن من كرمه سبحانه أنه لم يرض بالعفو عن السيئات حتى بدلها بالحسنات وقيل للفضيل بن عياض لو أقامك الله يوم القيامة بين يديه فقال «ما غرك بربك الكريم» ما ذا كنت تقول له قال أقول غرني ستورك المرخاة وقال يحيى بن معاذ لو أقامني الله بين يديه فقال ما غرك بي قلت غرني بك برك بي سالفا وآنفا وعن بعضهم قال غرني حلمك وعن أبي بكر الوراق غرني كرم الكريم وإنما قال سبحانه «الكريم» دون سائر أسمائه وصفاته لأنه كأنه لقنه الإجابة حتى يقول غرني كرم الكريم وقال عبد الله بن مسعود ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة فيقول يا ابن آدم يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم ما ذا عملت فيما عملت يا ابن آدم ما ذا أجبت المرسلين وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) كم مغرور بالستر عليه ومستدرج بالإحسان إليه «الذي خلقك» من نطفة ولم تك شيئا «فسواك» إنسانا تسمع وتبصر «فعدلك» أي جعلك معتدلا وقيل معناه عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين عن مقاتل والمعنى عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان لا تفضل يد على يد ولا رجل على رجل «في أي صورة ما شاء ركبك» أي في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم عن مجاهد وروي عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال لرجل ما ولد لك قال يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية قال فمن يشبه قال يشبه أمه وأباه فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) لا تقل هكذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت هذه الآية «في أي صورة ما شاء ركبك» أي فيما بينك وبين آدم .
وقيل في أي صورة ما