و الآخرة إلا بفضل الله فإنه سبحانه لو ولم يدعنا إلى الطاعة ولم يبين لنا الطريق ولم يوفقنا للعمل الصالح لما اهتدينا إليه وذلك كله من فضل الله وأيضا فإنه سبحانه تفضل بالأسباب التي يفعل بها الطاعة من التمكين والألطاف وكمال العقل وعرض المكلف للثواب فالتكليف أيضا تفضل وهو السبب الموصل إلى الثواب وقال أبو القاسم البلخي والبغداديون من أهل العدل إن الله سبحانه وتعالى لو اقتصر لعباده في طاعاتهم على مجرد إحساناته السالفة إليهم لكان عدلا فلهذا جعل سبحانه الثواب والجنة فضلا وفي هذه الآية أعظم رجاء لأهل الإيمان لأنه ذكر أن الجنة معدة للمؤمنين ولم يذكر مع الإيمان شيئا آخر «والله ذو الفضل العظيم» أي ذو الإفضال العميم والإحسان الجسيم إلى عباده ثم قال «ما أصاب من مصيبة في الأرض» مثل قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمرات «ولا في أنفسكم» من الأمراض والثكل بالأولاد «إلا في كتاب» يعني إلا وهو مثبت مذكور في اللوح المحفوظ «من قبل أن نبرأها» قبل أن أي من يخلق الأنفس ليستدل ملائكته به على أنه عالم لذاته يعلم الأشياء بحقائقها «إن ذلك على الله يسير» أي إثبات ذلك على كثرته هين على الله يسير سهل غير عسير ثم بين سبحانه لم فعل لذلك فقال «لكيلا تأسوا على ما فاتكم» أي فعلنا ذلك لئلا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا «ولا تفرحوا بما آتاكم» أي بما أعطاكم الله منها والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما فأت منها ضمن الله تعالى عليه العوض في الآخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك وإذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه والحقوق الواجبة فيه فلا ينبغي أن يفرح به وأيضا فإذا علم أن شيئا منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتم له بل يجب أن يهتم لأمر الآخرة التي تدوم ولا تبيد وفي هذه الآية إشارة إلى أربعة أشياء (الأول) حسن الخلق لأن من استوى عنده وجود الدنيا وعدمها لا يحسد ولا يعادي ولا يشاح فإن هذه من أسباب سوء الخلق وهي من نتائج حب الدنيا (وثانيها) استحقار الدنيا وأهلها إذا لم يفرح بوجودها ولم يحزن لعدمها (وثالثها) تعظيم الآخرة لما ينال فيها من الثواب الدائم الخالص من الشوائب (ورابعها) الافتخار بالله دون أسباب الدنيا ويروى أن علي بن الحسين (عليهماالسلام) جاءه رجل فقال له ما الزهد فقال الزهد عشرة أجزاء فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضاء وإن الزهد كله في آية من كتاب الله «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» وقيل لبزرجمهر ما لك أيها الحكيم لا تأسف على ما فأت ولا تفرح بما هو آت فقال إن الفائت لا يتلافى بالعبرة