إلا بعد أن أتاهم طريق العلم بصحة نبوتك فعدلوا عن النظر فيه «بغيا بينهم» أي فعلوا ذلك للظلم والحسد والعداوة والحرص على طلب الدنيا وقيل معناه وما تفرقوا عنه أي عن محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلا بعد أن علموا أنه حق ولكنهم تفرقوا عنه حسدا له وخوفا أن تذهب رئاستهم «ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم» معناه ولو لا وعد الله تعالى وإخباره بتبقيتهم إلى وقت معلوم وتأخر العذاب عنهم في الحال لفصل بينهم الحكم وأنزل عليهم العذاب الذي استحقوه عاجلا وقيل معناه ولو لا وعد الله بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة وهو الأجل المسمى لقضي بينهم بإهلاك المبطل وإثابة المحق «وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب» معناه وإن اليهود والنصارى الذين أورثوا الكتاب من بعد قوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومن بعد أحبارهم لفي شك من القرآن أو من محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) مؤد إلى الريبة عن السدي بين بذلك أن أحبارهم أنكروا الحق عن معرفته وإن عوامهم كانوا شاكين فيه يدل عليه قوله الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه وقيل معناه وإن الذين أورثوا الكتاب أي القرآن وهم العرب من بعدهم أي من بعد اليهود والنصارى لفي شك منه بليغ ولو استقصوا في النظر أدى بهم إلى اليقين والرشد «فلذلك فادع» أي فإلى ذلك فادع عن الفراء والزجاج يقال دعوت لفلان وإلى فلان وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد ومعناه فإلى الدين الذي شرعه الله تعالى ووصى به أنبياءه فادع الخلق يا محمد وقيل إن اللام للتعليل أي فلأجل الشك الذي هم فيه فادعهم إلى الحق حتى تزيل شكهم «واستقم كما أمرت» أي فاثبت على أمر الله وتمسك به واعمل بموجبه وقيل واستقم على تبليغ الرسالة «ولا تتبع أهواءهم» يعني أهواء المشركين في ترك التبليغ «وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب» أي آمنت بكتب الله التي أنزلها على الأنبياء قبلي كلها «وأمرت لأعدل بينكم» أي كي أعدل بينكم أي أسوي بينكم في الدين والدعاء إلى الحق ولا أحابي أحدا وقيل معناه أمرت بالعدل بينكم في جميع الأشياء وفي الحديث ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فالمنجيات العدل في الرضاء والغضب والقصد في الغنى والفقر وخشية الله في السر والعلانية والمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه «الله ربنا وربكم» أي وقل لهم أيضا الله مدبرنا ومدبركم ومصرفنا ومصرفكم والمنعم علينا وعليكم وإنما قال ذلك لأن المشركين قد اعترفوا بأن الله هو الخالق «لنا أعمالنا ولكم أعمالكم» أي لا يضرنا إصراركم على الكفر فإن جزاء أعمالنا لنا وجزاء أعمالكم لكم لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره «لا حجة بيننا وبينكم» أي لا خصومة بيننا وبينكم عن مجاهد وابن زيد والمعنى أن الحق قد ظهر فسقط الجدال والخصومة وكنى بالحجة عن الخصومة لاحتجاج أحد الخصمين على الآخر وهذا قبل أن يؤمر بالقتال وإذا لم يؤمر بالقتال