الوعيد والتهديد أي فإذا علمتم أنهما لا يستويان فليختر كل واحد منكم لنفسه ما شاء من الأمرين فإن العاقل لا يختار الإلقاء في النار فإذا لم يختر ذلك فلا بد أن يؤمن بالآيات فلا يلحد فيها «إنه بما تعملون» أي بأعمالكم «بصير» عالم لا يخفى عليه شيء منها ثم أخبر سبحانه عنهم مهجنا لهم فقال «إن الذين كفروا بالذكر» الذي هو القرآن وجحدوه «لما جاءهم» أي حين جاءهم ثم أخذ سبحانه في وصف الذكر وترك خبر إن على تقدير إن الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم ونحو ذلك وقيل إن خبره أولئك ينادون من مكان بعيد عن أبي عمرو بن العلا وقيل إن قوله «وإنه لكتاب عزيز» في موضع الخبر والتقدير الكتاب الذي جاءهم عزيز وأما قوله «وإنه» فالهاء يعود إلى القرآن الذي هو الذكر والمعنى إن الذكر لكتاب عزيز بأنه لا يقدر أحد من العباد على أن يأتي بمثله وقيل إنه عزيز بإعزاز الله عز وجل إياه إذا حفظه من التغيير والتبديل وقيل هو عزيز إذ جعله الله على أتم صفات الأحكام وقيل عزيز بأنه يجب أن يعز ويجل بالانتهاء إلى ما فيه وترك الإعراض عنه وقيل عزيز أي كريم على الله عز وجل عن ابن عباس «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» قيل فيه أقوال (أحدها) إن الباطل الشيطان ومعناه لا يقدر الشيطان أن ينقص منه حقا أو يزيد فيه باطلا عن قتادة والسدي (وثانيها) إنه لا يأتيه ما يبطله من بين يديه أي من الكتب التي قبله ولا من خلفه أي لا يجيء من بعده كتاب يبطله أي ينسخه عن ابن عباس والكلبي ومقاتل (وثالثها) معناه أنه ليس في إخباره عما مضى باطل ولا في إخباره عما يكون في المستقبل باطل بل إخباره كلها موافقة لمخبراتها وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام) (ورابعها) لا يأتيه الباطل من أول تنزيله ولا من آخره عن الحسن و (خامسها) لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات فلا تناقض في ألفاظه ولا كذب في أخباره ولا يعارض ولا يزاد فيه ولا يغير بل هو محفوظ حجة على المكلفين إلى يوم القيامة ويؤيده قوله «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» و «تنزيل من حكيم» أي هو تنزيل من عالم بوجوه الحكمة «حميد» مستحق للحمد على خلقه بالإنعام عليهم والقرآن هو من أعظم نعمه فاستحق به الحمد والشكر .