ثم خلق من بعد ذلك حواء من ضلع من أضلاعه على ما ورد في الأخبار وهذا ضعيف وقد مضى الكلام عليه «وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج» اختلف في معناه على وجوه (أحدها) أن معنى الإنزال هنا الأحداث والإنشاء كقوله قد أنزلنا عليكم لباسا ولم ينزل اللباس ولكن أنزل الماء الذي هو سبب القطن والصوف واللباس يكون منهما فكذلك الأنعام تكون بالنبات والنبات يكون بالماء (والثاني) أنه أنزلها بعد أن خلقها في الجنة عن الجبائي قال وفي الخبر الشاة من دواب الجنة والإبل من دواب الجنة (والثالث) أن المعنى جعلها نزلا ورزقا لكم ويعني بالأزواج الثمانية من الأنعام الإبل والبقر والغنم والضأن والمعز من كل صنف اثنان هما زوجان وهو مفسر في سورة الأنعام «يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق» نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسو العظام لحما ثم ينشئ خلقا آخر عن قتادة ومجاهد والسدي وقيل خلقا في بطون الأمهات بعد الخلق في ظهر آدم عن ابن زيد «في ظلمات ثلاث» ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) وقيل ظلمة الليل أو ظلمة صلب الرجل وظلمة الرحم وظلمة البطن ثم خاطب سبحانه خلقه فقال «ذلكم الله» الذي خلق هذه الأشياء «ربكم» الذي يملك التصرف فيكم «له الملك» على جميع المخلوقات «لا إله إلا هو فأنى تصرفون» عن طريق الحق بعد هذا البيان مثل قوله «فأنى تؤفكون» «إن تكفروا» أي تجحدوا نعمة الله تعالى ولم تشكروه «فإن الله غني عنكم» وعن شكركم فلا يضره كفركم «ولا يرضى لعباده الكفر» وفي هذا أوضح دلالة على أنه سبحانه لا يريد الكفر الواقع من العباد لأنه لو أراده لوجب متى وقع أن يكون راضيا به لعبده لأن الرضاء بالفعل ليس إلا ما ذكرناه ألا ترى أنه يستحيل أن نريد من غيرنا شيئا ويقع منه على ما نريده فلا نكون راضين به أو أن نرضى شيئا ولم نرده البتة «وإن تشكروا يرضه لكم» أي وأن تشكروا الله تعالى على نعمه وتعترفوا بها يرضه لكم ويرده منكم ويثبكم عليه والهاء في يرضه كناية عن المصدر الذي دل عليه وإن تشكروا والتقدير يرضى الشكر لكم كقولهم من كذب كان شرا له أي كان الكذب شرا له «ولا تزر وازرة وزر أخرى» أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى والمعنى لا يؤاخذ بالذنب إلا من يرتكبه ويفعله «ثم إلى ربكم مرجعكم» أي مصيركم «فينبؤكم بما كنتم تعملون» أي يخبركم بما عملتموه ويجازيكم بحسب ذلك «إنه عليم بذات الصدور» فلا يخفى عليه سر وعلانية «وإذا مس الإنسان ضر» من شدة ومرض وقحط وغير ذلك «دعا ربه منيبا إليه» أي راجعا إليه وحده لا يرجو سواه «ثم إذا خوله» أي أعطاه «نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل» أي نسي الضر الذي كان