«ففررت منكم لما خفتكم» أي ذهبت من بينكم حذرا على نفسي إلى مدين لما خفتكم أن تقتلوني بمن قتلته «فوهب لي ربي حكما» أي نبوة وقيل إن الحكم العلم بما تدعو إليه الحكمة وهو الذي وهبه الله تعالى لموسى من التوراة والعلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام «وجعلني من المرسلين» أي نبيا من جملة الأنبياء «وتلك نعمة تمنها علي إن عبدت بني إسرائيل» يقال عبده وأعبده إذا اتخذه عبدا وقيل في معناه أقوال (أحدها) أن فيه اعترافا بأن تربيته له كانت نعمة منه على موسى وإنكارا للنعمة في ترك استعباده ويكون ألف التوبيخ مضمرا فيه فكأنه يقول أو تلك نعمة تمنها علي إن عبدت بني إسرائيل ولم تعبدني (وثانيها) إنه إنكار للمنة أصلا ومعناه أتمن علي بأن ربيتني مع استعبادك قومي هذه ليست بنعمة يريد أن اتخاذك بني إسرائيل الذين هم قومي عبيدا أحبط نعمتك التي تمن بها علي (وثالثها) إن معناه إنك لو كنت لا تستعبد بني إسرائيل ولا تقتل أبناءهم لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم فكأنك تمتن علي بما كان بلاؤك سببا له عن الزجاج وزاد الأزهري لهذا بيانا فقال إن فرعون لما قال لموسى (عليه السلام) ألم نربك فينا وليدا فاعتد عليه بأن رباه وليدا منذ ولد إلى أن كبر فكان من جواب موسى (عليه السلام) له تلك نعمة تعتد بها علي لأنك عبدت بني إسرائيل ولو لم تعبدهم لكفلني أهلي فلم يلقوني في اليم فإنما صارت لك علي نعمة لما أقدمت عليه مما حظره الله عليك (ورابعها) إن فيه بيان أنه ليس لفرعون عليه نعمة لأن الذي تولى تربيته أمه وغيرها من بني إسرائيل بأمر فرعون لما استعبدهم فيكون معناه أنك تمن علي بأن استعبدت بني إسرائيل حتى ربوني وحفظوني عن الجبائي «قال فرعون وما رب العالمين» أي أي جنس رب العالمين الذي تدعوني إلى عبادته «قال» موسى في جوابه «رب السماوات والأرض» أي مبدعهما ومنشئهما وخالقهما «وما بينهما» من الحيوان والجماد والنبات «إن كنتم موقنين» بأن الرب من كان بهذه الصفة أو موقنين بأن هذه الأشياء محدثة وليست من فعلكم والمحدث لا بد له من محدث ولم يشتغل موسى لجواب ما سأله فرعون لأن الله تعالى ليس بذي جنس بل اشتغل ببيان ربوبيته وصفاته وبيان الحجة الدالة عليه من خلقه الذي يعجز المخلوقون عن مثله «قال» فرعون «لمن حوله ألا تستمعون» يريد ألا تستمعون مقالة موسى عن ابن عباس وقيل معناه ألا تصغون إليه وتفهمون ما يقوله معجبا من قوله وإنما عجب فرعون من حوله من جوابه لأنه طلب منه أي أجناس الأجسام هو جهلا منه بالتوحيد لأنه لو كان كأحد أجناس الأجسام لكان محدثا كسائر الأجسام التي هي من جنسه لحلول الحوادث فيه ودله موسى على الله بدلالة أفعاله التي بها يجب أن يستدل عليه تعالى فقال فرعون انظروا إلى هذا أسأله عن شيء فيجيب عن غيره فجرى موسى (عليه السلام) على عادته