الموت للحي على سبيل الاختراع الذي ينفرد به تعالى ولا يقدر عليه سواه «قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب» قيل في انتقاله من حجة إلى أخرى وجهان (أحدهما) أن ذلك لم يكن انتقالا وانقطاعا عن إبراهيم فإنه يجوز من كل حكيم إيراد حجة أخرى على سبيل التأكيد بعد تمام ما ابتدأ به من الحجاج وعلامة تمامه ظهوره من غير اعتراض عليه بشبهة لها تأثير عند التأمل والتدبر لموقعها من الحجة المعتمد عليها (والثاني) أن إبراهيم إنما قال ذلك ليبين أن من شأن من يقدر على إحياء الأموات وإماتة الأحياء أن يقدر على إتيان الشمس من المشرق فإن كنت قادرا على ذلك فأت بها من المغرب وإنما فعل ذلك لأنه لو تشاغل معه بأني أريت اختراع الموت والحيوة من غير سبب ولا علاج لاشتبه على كثير ممن حضر فعدل إلى ما هو أوضح لأن الأنبياء إنما بعثوا للبيان والإيضاح وليست أمورهم مبنية على تحاج الخصمين وطلب كل واحد منهما غلبة خصمه وقد روي عن الصادق (عليه السلام) أن إبراهيم (عليه السلام) قال له أحي من قتلته إن كنت صادقا ثم استظهر عليه مما قاله ثانيا «فبهت» الذي كفر أي تحير عند الانقطاع بما بأن من ظهور الحجة فإن قيل فهلا قال له نمرود فليأت بها ربك من المغرب قيل عن ذلك جوابان (أحدهما) أنه لما علم بما رأى من الآيات أنه لو اقترح ذلك لأتى به الله تصديقا لإبراهيم فكان يزداد بذلك فضيحة عدل عن ذلك (والثاني) أن الله خذله ولطف لإبراهيم حتى أنه لم يأت بشبهة ولم يلبس «والله لا يهدي القوم الظالمين» بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد وقيل معناه لا يهديهم إلى المحاجة كما يهدي أنبياءه وأولياءه وقيل معناه لا يهديهم بألطافه وتأييده إذا علم أنه لا لطف لهم وقيل لهم لا يهديهم إلى الجنة وهذا لا يعارض قوله وأما ثمود فهديناهم لأنا قد بينا معاني الهداية ووجوهها قبل عند قوله يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا فبعضها عام لجميع المكلفين وبعضها خاص للمؤمنين وفي هذه الآية دلالة على أن المعارف غير ضرورية إذ لو كانت كذلك لما صحت المحاجة في إثبات الصانع وفيها دلالة على فساد التقليد وحسن الحجاج وأنه تعالى إنما يعلم بأفعاله التي لا يقدر عليها غيره وفي تفسير ابن عباس أن الله سبحانه سلط على نمرود بعوضة فعضت شفتيه فأهوى إليها بيده ليأخذها فطارت في منخره فذهب ليستخرجها فطارت في دماغه فعذبه الله بها أربعين ليلة ثم أهلكه .