و رهبانية ما كتبناها عليهم «إلا» إنهم اتبعوها «ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها» وقيل إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال في خبر مرفوع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها وذلك لتكذيبهم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن ابن عباس وقيل إن الرهبانية هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة «ما كتبناها» أي ما فرضناها عليهم وقال الزجاج إن تقديره ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر به فهذا وجه قال وفيها وجه آخر جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه فاتخذوا أسرابا وصوامع وابتدعوا ذلك فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع ودخلوا عليه لزمهم تمامه كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمه قال وقوله «فما رعوها حق رعايتها» على ضربين (أحدهما) أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم (والآخر) وهو الأجود أن يكونوا حين بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فلم يؤمنوا به كانوا تاركين لطاعة الله فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها ودليل ذلك قوله «فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم» يعني الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) «وكثير منهم فاسقون» أي كافرون انتهى كلام الزجاج ويعضد هذا ما جاءت به الرواية عن ابن مسعود قال كنت رديف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) على حمار فقال يا ابن أم عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية فقلت الله ورسوله أعلم فقال ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى (عليه السلام) يعنون محمدا (صلى الله عليه وآله وسلّم) فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الآية «ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» إلى آخرها ثم قال يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي قلت الله ورسوله أعلم قال الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة وعن ابن مسعود قال دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها اثنتان وهلك سائرهن فرقة قاتلوا الملوك على دين عيسى (عليه السلام) فقتلوهم وفرقة لم تكن لهم طاقة لموازاة الملوك ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله تعالى ودين عيسى (عليه السلام) فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله لهم «ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون ثم قال سبحانه «يا أيها الذين آمنوا» أي اعترفوا بتوحيد الله وصدقوا بموسى وعيسى (عليهماالسلام) «اتقوا الله وآمنوا برسوله» محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن ابن عباس وقيل معناه يا أيها الذين آمنوا ظاهرا آمنوا باطنا «يؤتكم كفلين» أي يؤتكم