أم هل كبير بكى لم يقض عبرته
إثر الأحبة يوم البين مسكوم ثم قال سبحانه «قل» لهم يا محمد «تربصوا فإني معكم من المتربصين» أي إنكم إن تربصتم في حوادث الدهر فإني منتظر مثل ذلك بكم وتربص الكفار بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمؤمنين قبيح وتربص النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمؤمنين بالكفار وتوقعهم لهلاكهم حسن وقوله «تربصوا» وإن كان بصيغة الأمر فالمراد به التهديد «أم تأمرهم أحلامهم بهذا» أي بل أتأمرهم عقولهم بما يقولونه لك ويتربصونه بك قال المفسرون كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول فأزرى الله سبحانه بعقولهم حيث لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل ثم أخبر سبحانه عن طغيانهم فقال «أم هم قوم طاغون» وقرأ مجاهد بل هم قوم طاغون وبل في المعنى قريبة من أم هنا إلا أن ما بعد بل متيقن وما بعد أم مشكوك فيه والمعنى أن عقولهم لم تأمرهم بهذا ولم تدعهم إليه بل حملهم الطغيان على تكذيبك «أم يقولون تقوله» أي افتعل القرآن وتكذبه من تلقاء نفسه والتقول تكلف القول ولا يقال ذلك إلا في الكذب «بل لا يؤمنون» أي ليس الأمر كما زعموا بل ثبت أنه من عند الله ولكنهم لا يصدقون بذلك عنادا وحسدا واستكبارا ثم ألزمهم سبحانه الحجة تحداهم فقال «فليأتوا بحديث مثله» أي مثل القرآن وما يقاربه في نظمه وفصاحته وحسن بيانه وبراعته «إن كانوا صادقين» في أنه تقوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) فإذا لم يقدروا على الإتيان بمثله فليعلموا أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يتقوله من تلقاء نفسه بل هو من عند الله تعالى ثم احتج عليهم بابتداء الخلق فقال «أم خلقوا من غير شيء» أي أم خلقوا لغير شيء أي أخلقوا باطلا لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون ونحو هذا عن الزجاج وقيل معناه أم خلقوا عبثا وتركوا سدى عن ابن كيسان وهذا في المعنى مثل الأول وقيل معناه أخلقوا من غير خالق ومدبر دبرهم «أم هم الخالقون» أنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر عن ابن عباس «أم خلقوا السماوات والأرض» واخترعوهما فلذلك لا يقرون بالله وبأنه خالقهم «بل لا يوقنون» بأن لهم إلها يستحق العبادة وحده وإنك نبي من جهة الله «أم عندهم خزائن ربك» أي بأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا عن مقاتل وعكرمة وقيل أراد خزائن المطر والرزق عن الكلبي وابن عباس وقيل خزائنه مقدوراته فلا يأتيهم إلا ما يحبون عن الجبائي «أم هم المصيطرون» أي الأرباب المسلطون على