كما تكون بين الأحرار ومعنى أنفسكم هاهنا أمثالكم من الأحرار كقوله «ولا تلمزوا أنفسكم» وكقوله «ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا» أي بأمثالهم من المؤمنين والمؤمنات والمعنى أنكم إذا لم ترضوا في عبيدكم أن يكونوا شركاء لكم في أموالكم وأملاككم فكيف ترضون لربكم أن يكون له شركاء في العبادة قال سعيد بن جبير لأنه كانت تلبية قريش لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فأنزل الله تعالى الآية ردا عليهم وإنكارا لقولهم «كذلك» أي كما ميزنا لكم هذه الأدلة «نفصل الآيات» أي الأدلة «لقوم يعقلون» فيتدبرون ذلك ثم قال سبحانه مبينا لهم أنهم إنما اتبعوا أهواءهم فيما أشركوا به «بل اتبع الذين ظلموا» أي أشركوا بالله «أهواءهم» في الشرك «بغير علم» يعلمونه جاءهم من الله «فمن يهدي من أضل الله» أي فمن يهدي إلى الثواب والجنة من أضله الله عن ذلك عن الجبائي وقيل معناه من أضل عن الله الذي هو خالقه ورازقه والمنعم عليه مع ما نصبه له من الأدلة فمن يهديه بعد ذلك عن أبي مسلم قال وهو من قولهم أضل فلان بعيره بمعنى ضل بعيره عنه قال الشاعر:
هبوني امرءا منكم أضل بعيره
له ذمة إن الذمام كثير وإنما المعنى ضل بعيره عنه «وما لهم من ناصرين» ينصرونهم ويدفعون عنهم عذاب الله تعالى إذا حل بهم ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمراد جميع المكلفين وقال «فأقم وجهك للدين» أي أقم قصدك للدين والمعنى كن معتقدا للدين وقيل معناه اثبت ودم على الاستقامة وقيل معناه أخلص دينك عن سعيد بن جبير وقيل معناه سدد عملك فإن الوجه ما يتوجه إليه وعمل الإنسان ودينه مما يتوجه الإنسان إليه لتشديده وإقامته «حنيفا» أي مائلا إليه ثابتا عليه مستقيما فيه لا يرجع عنه إلى غيره «فطرت الله التي فطر الناس عليها» فطرة الله الملة وهي الدين والإسلام والتوحيد التي خلق الناس عليها ولها وبها أي لأجلها والتمسك بها فيكون كقوله «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» وهو كما يقول القائل لرسوله بعثتك على هذا ولهذا وبهذا والمعنى واحد ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه وقيل معناه اتبع من الدين ما دلك عليه فطرة الله وهو ابتداء خلقه للأشياء لأنه خلقهم وركبهم وصورهم على وجه يدل على أن لهم صانعا قادرا عالما حيا قديما واحدا لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء عن أبي مسلم «لا تبديل لخلق الله» أي لا تغيير لدين الله الذي أمر الناس بالثبات عليه في التوحيد والعدل وإخلاص العبادة لله عن الضحاك ومجاهد