يحتاج إلى أن يغفر له يوم القيامة لأن عندنا لا يجوز أن يقع من الأنبياء شيء من القبائح وعند جميع أهل العدل وإن جوزوا عليهم الصغائر فإنها تقع عندهم محبطة مكفرة فليس شيء منها غير مغفور فيحتاج إلى أن يغفر يوم القيامة وقيل معناه أطمع أن يغفر لمن يشفعني فيه فأضافه إلى نفسه كقوله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وإنما قال وإذا مرضت فأضاف المرض إلى نفسه وإن كان من الله استعمالا لحسن الأدب فإن المقصود شكر نعمة الله تعالى ولو كان المقصود بيان القدرة لأضافه إلى الله تعالى ونظيره قول الخضر (عليه السلام) فأردت أن أعيبها ثم قال فأراد ربك أن يبلغا أشدهما وإنما حذف الياءات لأنه رءوس الآيات وهذا الكلام من إبراهيم (عليه السلام) إنما صدر على وجه الاحتجاج على قومه والإخبار بأنه لا يصلح للإلهية إلا من فعل هذه الأفعال ثم حكى الله عنه أنه سأله وقال «رب هب لي حكما» والحكم بيان الشيء على ما تقتضيه الحكمة وقيل إنه العلم عن ابن عباس يعني علما إلى علم وفقها إلى فقه وقيل إنه النبوة عن الكلبي «وألحقني بالصالحين» أي بمن قبلي من النبيين في الدرجة والمنزلة وقيل معناه افعل بي من اللطف ما يؤديني إلى الصلاح والاجتماع مع النبيين في الثواب وفي هذا دلالة على عظم شأن الصلاح وهو الاستقامة على ما أمر الله تعالى به ودعا إليه «واجعل لي لسان صدق في الآخرين» أي ثناء حسنا في آخر الأمم وذكرا جميلا وقبولا عاما في الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة فأجاب الله سبحانه دعاه فكل أهل الأديان يثنون عليه ويقرون بنبوته والعرب تضع اللسان موضع القول على الاستعارة لأن القول يكون بها وكذلك يسمون اللغة لسانا قال الأعشى بأهلة:
إني أتتني لسانا لا أسر بها
من علو لا عجب منها ولا سخر وقيل إن معناه واجعل لي ولد صدق في آخر الأمم يدعو إلى الله ويقوم بالحق وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) «واجعلني من ورثة جنة النعيم» أي من الذين يرثون الفردوس «واغفر لأبي أنه كان من الضالين» أي من الذاهبين عن الصواب في اعتقاده ووصفه بأنه ضال يدل على أنه كان كافرا كفر جهالة لا كفر عناد وقد ذكرنا الوجه في استغفار إبراهيم لأبيه في سورة التوبة «ولا تحزني يوم يبعثون» أي لا تفضحني ولا تعيرني بذنب يوم تحشر الخلائق وهذا الدعاء كان منه (عليه السلام) على وجه الانقطاع إلى الله تعالى لما بينا أن القبيح لا يجوز وقوعه من الأنبياء (عليهم السلام) ثم فسر ذلك اليوم بأن قال «يوم لا ينفع مال ولا بنون» أي لا ينفع المال والبنون أحدا إذ لا يتهيأ لذي المال أن يفتدي من شدائد ذلك اليوم