للعالمين» إنما قال آية ولم يقل آيتين لأنه في موضع دلالة فلا يحتاج إلى أن تثنى الآية فيهما أنها جاءت به من غير فحل فتكلم في المهد بما يوجب براءة ساحتها من العيب «إن هذه أمتكم أمة واحدة» أي هذا دينكم دين واحد عن ابن عباس ومجاهد والحسن وأصل الأمة الجماعة التي على مقصد واحد فجعلت الشريعة أمة واحدة لاجتماعهم بها على مقصد واحد وقيل معناه جماعة واحدة في أنها مخلوقة مملوكة لله تعالى أي فلا تكونوا إلا على دين واحد وقيل معناه هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء فريقكم الذي يلزمكم الاقتداء بهم في حال اجتماعهم على الحق كما يقال هؤلاء أمتنا أي فريقنا وموافقونا على مذهبنا «وأنا ربكم» الذي خلقكم «فاعبدوني» ولا تشركوا بي شيئا ثم ذكر اليهود والنصارى بالاختلاف فقال «وتقطعوا أمرهم بينهم» أي فرقوا دينهم فيما بينهم يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض عن الكلبي وابن زيد والتقطع هذا بمنزلة التقطيع ثم قال مهددا لهم «كل إلينا راجعون» أي كل ممن اجتمع وافترق راجع إلى حكمنا في الوقت الذي لا يقدر على الحكم سوانا فنجازيهم بأعمالهم «فمن يعمل من الصالحات» التقدير فمن يعمل من الصالحات شيئا مثل صلة الرحم ومعونة الضعيف ونصر المظلوم والتنفيس عن المكروب وغير ذلك من أنواع الطاعات «وهو مؤمن» شرط الإيمان لأن هذه الأشياء لو فعلها الكافر لم ينتفع بها عند الله تعالى «فلا كفران لسعيه» أي فلا جحود لإحسانه في عمله بل يشكر ويثاب عليه «وإنا له كاتبون» أي نأمر ملائكتنا أن يكتبوا ذلك ويثبتوه فلا يضيع منه شيء وقيل كاتبون أي ضامنون جزاءه حتى نوفر على عاملها مجموعة ومنه الكتيبة لأنه ضم رجال إلى رجال «وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون» اختلف في معناه على وجوه (أحدها) أن لا مزيدة والمعنى حرام على قرية مهلكة بالعقوبة أن يرجعوا إلى دار الدنيا عن الجبائي وقيل إن معناه واجب عليها إنها إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها عن قتادة وعكرمة والكلبي قال عطا يريد حتم مني والمراد إن الله تعالى كتب على من أهلك أن لا يرجع إلى الدنيا قضاء منه حتما وفي ذلك تخويف لكفار مكة بأنهم إن عذبوا وأهلكوا لم يرجعوا إلى الدنيا كغيرهم من الأمم المهلكة وقد جاء الحرام بمعنى الواجب في شعر الخنساء:
وإن حراما لا أرى الدهر باكيا
على شجوة إلا بكيت على صخر (وثانيها) إن معناه حرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب أن يتقبل منهم عمل لأنهم