الآيات التي نظهرها على الأنبياء إلا عظة للناس وزجرا أو تخويفا لهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا ثم خاطب سبحانه النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال «وإذ قلنا لك» أي واذكر الوقت الذي قلنا لك يا محمد «إن ربك أحاط بالناس» أي أحاط علما بأحوالهم وبما يفعلونه من طاعة أو معصية وما يستحقونه على ذلك من الثواب والعقاب وهو قادر على فعل ذلك بهم فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته وهذا معنى قول ابن عباس وقيل إن المراد به أنه عالم بجميع الأشياء فيعلم قصدهم إلى إيذائك إذا لم تأتهم ما اقترحوا منك من الآيات وهذا حث للرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) على التبليغ ووعد له بالعصمة من أذية قومه وهذا معنى قول الحسن وقيل معناه أنه أحاط بأهل مكة فيستفتها لك عن مقاتل وقال الفراء معناه أحاط أمره بالناس وقيل معناه أنه قادر على ما سألوه من الآيات عالم بمصالحهم فلا يفعل إلا ما هو الصلاح فامض لما أمرت به من التبليغ فإن الله سبحانه إن أنزلها فلما يعلم في إنزالها من اللطف وإن لم ينزلها فلما يعلم من المصلحة عن الجبائي «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن» فيه أقوال (أحدها) إن المراد بالرؤيا رؤية العين وهي ما ذكره في أول السورة من إسراء النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من مكة إلى بيت المقدس وإلى السماوات في ليلة واحدة إلا أنه لما رأى ذلك ليلا وأخبر بها حين أصبح سماها رؤيا وسماها فتنة لأنه أراد بالفتنة الامتحان وشدة التكليف ليعرض المصدق بذلك لجزيل ثوابه والمكذب لأليم عقابه وهذا معنى قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد (وثانيها) ما روي عن ابن عباس في رواية أخرى أنها رؤيا نوم رآها أنه سيدخل مكة وهو بالمدينة فقصدها فصده المشركون في الحديبية عن دخولها حتى شك قوم ودخلت عليهم الشبهة فقالوا يا رسول الله أليس قد أخبرتنا أنا ندخل المسجد الحرام آمنين فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) أوقلت لكم إنكم تدخلونها العام قالوا لا فقال لندخلها إن شاء الله ورجع ثم دخل مكة في العام القابل فنزل «لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق» وهو قول الجبائي وأبي مسلم وإنما كان فتنة وامتحانا وابتلاء لما ذكرناه (وثالثها) إن ذلك رؤيا رآها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في منامه أن قرودا تصعد منبره وتنزل فساءه ذلك واغتم به روى سهل بن سعيد عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) رأى ذلك وقال له (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يستجمع بعد ذلك ضاحكا حتى مات وروى سعيد بن يسار أيضا وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) أبي عبد الله (عليه السلام) وقالوا على هذا التأويل أن الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو أمية أخبره الله سبحانه بتغلبهم على منامه وقتلهم ذريته روي عن المنهال بن عمرو قال دخلت على علي بن الحسين (عليهماالسلام ) )