فهرس الكتاب

الصفحة 2379 من 4264

القيام إلى الصلاة (ورابعها) أنه سبحانه ذكر الإرادة على وجه المجاز والاتساع وإنما عنى بها قرب الهلاك والعلم بكونه لا محالة كما يقال إذا أراد العليل أن يموت خلط في مأكله ويسرع إلى ما تتوق نفسه إليه وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كل وجه ومعلوم أن العليل والتاجر لم يريدا في الحقيقة شيئا لكن لما كان من المعلوم من حال هذا الهلاك ومن حال ذلك الخسران حسن هذا الكلام واستعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه ولكلام العرب إشارات واستعارات ومجازات لأجلها كان كلامهم في الغاية القصوى من الفصاحة والوجه الأول عندي أصح الوجوه وأقربها إلى الصواب إذا تأولت الآية على الأمر الذي هو ضد النهي إذا تأولت الآية على معنى القراءتين الأخيرتين من آمرنا بالمد وأمرنا بالتشديد فلن يخرج على هذا الوجه وتكون محمولة على أحد الأوجه الثلاثة الأخر ثم بين سبحانه ما فعله من ذلك بالقرون الخالية فقال «وكم أهلكنا من القرون» أي من الأمم الكثيرة المكذبة «من بعد نوح» أي من بعد زمان نوح إلى زمانك هذا لأن كم تفيد التكثير كما أن رب تفيد التقليل والقرن مائة وعشرون سنة عن عبد الله بن أبي أوفى وقيل مائة سنة عن محمد بن القسم المازني وروي ذلك مرفوعا وقيل ثمانون سنة عن الكلبي وقيل أربعون سنة ورواه ابن سيرين مرفوعا «وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا» أي كفى ربك عالما بذنوب خلقه «بصيرا» بها يجازيهم عليها ولا يفوته شيء منها ثم بين سبحانه أنه يدبر عباده بحسب ما يراه من المصلحة فقال «من كان يريد العاجلة» أي النعم العاجلة وهي الدنيا فعبر عنها بصفتها «عجلنا له فيها ما نشاء» من البسط والتقتير وعلق ذلك بمشيئته لا بمشيئة العبد فقد يشاء العبد ما لا يشاؤه الله فلا يعطيه لكونه مفسدة «لمن نريد» أي لمن نريد إعطاءه بين بذلك أنه ربما يكون حريصا يريد الدنيا فلا يعطي وإن أعطي أعطي قليلا «ثم جعلنا له جهنم يصليها» أي يصير بصلاها ويحترق بنارها «مذموما» ملوما «مدحورا» مبعدا من رحمة الله وروي عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال معنى الآية من كان يريد ثواب الدنيا بعمله الذي افترضه الله عليه لا يريد به وجه الله والدار الآخرة عجل له فيها ما يشاء الله من عرض الدنيا وليس له ثواب في الآخرة وذلك أن الله سبحانه وتعالى يؤتيه ذلك ليستعين به على الطاعة فيستعمله في معصية الله فيعاقبه الله عليه «ومن أراد الآخرة» أي ومن أراد خير الآخرة ونعيم الجنة «وسعى لها سعيها وهو مؤمن» أي فعل الطاعات وتجنب المعاصي وهو مع ذلك مصدق بتوحيد الله مقر بأنبيائه «فأولئك كان سعيهم مشكورا» أي تكون طاعتهم مقبولة وقيل شكره أنه سبحانه يضاعف حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم عن قتادة والمعنى أنا أحللنا سعيهم محل ما يشكر عليه في حسن الجزاء وروي عن الحسن أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت