«ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة» أي لا تكونوا كالامرأة التي غزلت ثم نقضت غزلها من بعد إمرار وفتل للغزل وهي امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن ولا يزال ذلك دأبها واسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة وكانت تسمى خرقاء مكة عن الكلبي وقيل أنه مثل ضربه الله تعالى شبه فيه حال ناقض العهد بمن كان كذلك «أنكاثا» جمع نكث وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم ثم ينكث وينقض ليغزل ثانية «تتخذون أيمانكم دخلا بينكم» أي دخلا وخيانة ومكرا وذلك أنهم كانوا يخلفون في عهودهم ويضمرون الخيانة وكان الناس يسكنون إلى عهدهم ثم ينقضون العهد فقد اتخذوا أيمانهم مكرا وخيانة «أن تكون أمة هي أربى من أمة» أي لا تنقضوا العهد بسبب أن يكون قوم أكثر من قوم وأمة أعلى من أمة ولأجل ذلك وتقديره ولا تنكثوا أيمانكم متخذيها دغلا وغدرا وخديعة لمداراتكم قوما هم أكثر عددا ممن حلفتم له ولقلتكم وكثرتهم بل عليكم الوفاء بما حلفتم والحفظ لما عاهدتم عليه «إنما يبلوكم الله به» أي إنما يختبركم الله بالأمر بالوفاء والهاء في به عائدة على الأمر وتحقيقه أنه يعاملكم معاملة المختبر ليقع الجزاء بحسب العمل «وليبينن» أي وليفصلن «لكم يوم القيامة ما كنتم فيه» أي في صحته «تختلفون» وليظهرن لكم حكمه حتى يعرف الحق من الباطل «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة» أي لجعلكم مهتدين يعني به مشيئة القدرة كما قال ولو شاء الله لجمعهم على الهدى «ولكن يضل من يشاء» بالخذلان أو بالحكم عليه بالضلال «ويهدي من يشاء» بالتوفيق وبالحكم عليه بالهداية وقد ذكرنا معاني الضلال والهدى في سورة البقرة «ولتسئلن عما كنتم تعملون» من الطاعات والمعاصي فستجازون على كل منهما بقدره «ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم» نهى سبحانه عن الحلف على أمر يكون باطنه بخلاف ظاهره فيضمر خلاف ما يظهر أي يضمر الخلف والحنث فيه «فتزل قدم بعد ثبوتها» هذا مثل ضربه الله تعالى ومعناه فتضلوا عن الرشد بعد أن تكونوا على هدى يقال زل قدم فلان في أمر كذا إذا عدل عن الصواب وقيل معناه فيسخط الله عليكم بعد رضاه عنكم لأن ثبات القدم تكون برضاء الله سبحانه وزلة القدم تكون بسخطه وقيل أنها نزلت في الذين بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) على نصرة الإسلام وأهله فنهوا عن نقض ذلك «وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله» أي تذوقوا العذاب بما منعتم الناس عن اتباع دين الله «ولكم» مع ذلك «عذاب عظيم» يريد عذاب الآخرة وروي عن سلمان الفارسي ره أنه قال تهلك هذه الأمة بنقض مواثيقها وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال نزلت هذه الآيات في ولاية علي (عليه السلام) وما كان من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) سلموا على