أمكنهم من المكر كما مكروا بك فعصمهم الله من مكرهم كما عصمك وقيل عنى به كفار قريش الذين دبروا في أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) واحتالوا عليه ومكروا بالمؤمنين وخدعوهم «وعند الله مكرهم» أي جزاء مكرهم فحذف المضاف كما حذف من قوله «ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا» وهو واقع بهم أي جزاؤه يريد وقد عرف الله مكرهم فهو يجازيهم عليه «وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال» أي ولم يكن مكرهم ليبطل حجج القرآن وما معك من دلائل النبوات فإن ذلك ثابت بالدليل والبرهان والمعنى لا تزول منه الجبال فكيف يزول منه الدين الذي هو أثبت من الجبال وعلى القراءة الأخرى فالمعنى أن مكرهم وإن بلغ كل مبلغ فلا يزيل دين الله تعالى على ما تقدم بيانه ولا يضر ذلك أنبياءه ولا يزيل أمرهم ولا سيما أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) فإنه أثبت من الجبال وقد قيل إن المراد به نمرود بن كوش بن كنعان حين أخذ التابوت وأخذ أربعة من النسور فأجاعها أياما وعلق فوقها لحما وربط التابوت إليها وطارت النسور بالتابوت وهو ووزيره فيه إلى أن بلغت حيث شاء الله تعالى وظن أنه بلغ السماء ففتح باب التابوت من أعلاه فرأى بعد السماء منه كبعدها حين كان في الأرض وفتح بابا من أسفل التابوت فرأى الأرض قد غابت عنه فهاله الأمر فصوب النسور وسقط التابوت وكانت له وجبة عن ابن عباس وابن مسعود وجماعة «فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله» أي فلا تظنن الله عز اسمه مخلفا رسله ما وعدهم به من النصر والظفر بالكفار والظهور عليهم «إن الله عزيز» أي ممتنع بقدرته من أن ينال باهتضام وهو من الكفار «ذو انتقام يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات» قيل فيه قولان (أحدهما) إن المعنى تبدل صورة الأرض وهيئتها عن ابن عباس فقد روي عنه أنه قال تبدل آكامها وآجامها وجبالها وأشجارها والأرض على حالتها وتبقى أرضا بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم ولم يعمل عليها خطيئة وتبدل السماوات فيذهب بشمسها وقمرها ونجومها وكان ينشد:
فما الناس بالناس الذين عهدتهم
ولا الدار بالدار التي كنت أعرف ويعضده ما رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال يبدل الله الأرض غير الأرض والسماوات فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة مثل مواضعهم من الأولى . ما كان في بطنها كان في بطنها وما كان على ظهرها كان على ظهرها (والآخر) أن المعنى تبدل الأرض وتنشأ أرض غيرها والسماوات كذلك تبدل بغيرها وتفنى هذه عن الجبائي وجماعة من المفسرين وفي تفسير