فهرس الكتاب

الصفحة 2190 من 4264

الظاهر الذي لا يجيب الخصم إلا به لا يمتنع أن يبادر السائل إلى ذكره ثم يورد الكلام عليه تفاديا من التطويل ويكون تقدير الكلام أليس الله رب السماوات والأرض فلم اتخذتم من دونه أولياء ثم ضرب لهم سبحانه مثلا بعد إلزام الحجة فقال «قل هل يستوي الأعمى والبصير» أي كما لا يستوي الأعمى والبصير كذلك لا يستوي المؤمن والكافر لأن المؤمن يعمل على بصيرة ويعبد الله الذي يملك النفع والضر والكافر يعمل على عمى ويعبد من لا يملك النفع والضر ثم زاد في الإيضاح فقال «أم هل تستوي الظلمات والنور» أي هل يستوي الكفر والإيمان أو الضلالة والهدى أو الجهل والعلم «أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه» أي هل جعل هؤلاء الكفار لله شركاء في العبادة خلقوا أفعالا مثل خلق الله تعالى من الأجسام والألوان والطعوم والأراييح والقدرة والحياة وغير ذلك من الأفعال التي يختص سبحانه بالقدرة عليها «فتشابه الخلق عليهم» أي فاشتبه لذلك عليهم ما الذي خلق الله وما الذي خلق الأوثان فظنوا أن الأوثان تستحق العبادة لأن أفعالها مثل أفعال الله فإذا لم يكن ذلك مشتبها إذ كان ذلك كله لله تعالى لم يبق شبهة أنه الإله لا يستحق العبادة سواه ف «قل» لهم «الله خالق كل شيء» يستحق به العبادة من أصول النعم وفروعها «وهو الواحد» ومعناه أنه يستحق من الصفات ما لا يستحقه غيره فهو قديم لذاته قادر لذاته عالم لذاته حي لذاته غني لا مثل له ولا شبه وقيل الواحد هو الذي لا يتجزأ ولا يتبعض وقيل هو الواحد في الإلهية لا ثاني له في القدم «القهار» الذي يقهر كل قادر سواه ولا يمتنع عليه شيء واستدلت المجبرة بقوله الله تعالى خالق كل شيء على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن ظاهر العموم يقتضي دخول أفعال العباد فيه وبقوله «أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه» قالوا لأنه أنكر أن يكون خالق خلق كخلقه وأجيب عن ذلك بأن الآية وردت حجة على الكفار إذ لو كان المراد ما قالوا لكان فيها لهم على الله لأنه إذا كان الخالق لعبادتهم الأصنام هو الله فلا يتوجه التوبيخ إلى الكفار ولا يلحقهم اللوم بذلك بل يكون لهم أن يقولوا إنك خلقت فينا ذلك فلم توبخنا على فعل فعلته فينا فيبطل حينئذ فائدة الآية وأيضا فإن أكثر أصحابنا لا يطلقون على غيره سبحانه أنه يخلق أصلا فضلا عن أن يقولوا إنه يخلق كخلق الله ولكن يقولون إن العباد يفعلون ويحدثون ومعنى الخلق عندهم الاختراع ولا يقدر العباد عليه ومن جوز منهم إطلاق لفظ الخلق في أفعال العباد فإنه يقول إنه سبحانه إنما نفى أن يكون أحد يخلق مثل خلقه ونحن لا نقول ذلك لأن خلق الله اختراع وإبداع وأفعال غيره مفعولة في محل القدرة عليها مباشرا أو متولدا في الغير بسبب حال في محل القدرة ولا يقدر على اختراع الأفعال في الغير على وجه من الوجوه إلا الله سبحانه الذي أبدع السماوات والأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت