و التهديد وغير ذلك وإنما جاز تمكين الصاد عن سبيل الله من هذا الفساد لأنه مكلف بالامتناع منه وليس في منعه لطف بأن ينصرف عن الفساد إلى الصلاح فهو كشهوة القبيح الذي به يصح التكليف «ويبغونها عوجا» أي ويطلبون لسبيل الله زيغا عن الاستقامة وعدولا عن الصواب وقيل إن بغيهم العوج هي زيادتهم ونقصانهم في الكتاب ليتغير الأدلة ولا يستقيم صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) كما كان يفعلها اليهود وقيل هي إيرادهم الشبه وكتمانهم المراد وتحريفهم التأويل «وهم بالآخرة» أي بالقيامة والبعث والنشور والثواب والعقاب «هم كافرون» أي جاحدون غير مقرين «أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض» أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم بأن عليهم لعنة الله وأنهم الذين يصدون عن سبيل الله بأنهم لم يكونوا فائتين في الأرض هربا فيها من الله تعالى إذا أراد إهلاكهم كما يهرب الهارب من عدو قد جد في طلبه وإنما خص الأرض بالذكر وإن كانوا لا يفوتون الله ولا يخرجون عن قبضته على كل حال لأن معاقل الأرض هي التي يهرب إليها البشر ويعتصمون بها عند المخاوف فكأنه سبحانه نفى أن يكون لهؤلاء الكفار عاصم منه ومانع من عذابه «وما كان لهم من دون الله من أولياء» معناه أنه ليس لهم من ولي ولا ناصر ينصرونهم ويحمونهم من الله سبحانه مما يريد إيقاعه بهم في الدنيا من المكاره وفي الآخرة من أنواع العذاب «يضاعف لهم العذاب» قيل في معناه وجوه (أحدها) أنه لا يقتصر بهم على عذاب الكفر بل يعاقبون عليه وعلى سائر المعاصي كما قال في موضع آخر زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (وثانيها) أن معناه أنه كلما مضى ضرب من العذاب يعقبه ضرب آخر من العذاب مثله أو فوقه كذلك دائما مؤبدا وكل ذلك على قدر الاستحقاق (وثالثها) أنه يضاعف العذاب على رؤسائهم لكفرهم وظلمهم أنفسهم ولدعائهم الاتباع إليه وهو عذاب الضلال وعذاب الصد عن الدين «ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون» فيه وجوه (أحدها) يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون وبما كانوا يستطيعون الأبصار فلا يبصرون عنادا وذهابا عن الحق فأسقطت الباء عن الكلام كما في قول الشاعر:
نغالي اللحم للأضياف نيا
ونبذله إذا نضج القدور أراد نغالي باللحم عن الفراء والبلخي وهذا وجه رابع من معنى قوله «يضاعف لهم العذاب» (وثانيها) أنه لاستثقالهم استماع آيات الله وكراهتهم تذكرها وتفهمها جروا مجرى