ذلك نفرا لما فيه من مجاهدة أعداء الدين قال القاضي أبو عاصم وفي هذا دليل على اختصاص الغربة بالتفقه وأن الإنسان يتفقه في الغربة ما لا يمكنه ذلك في الوطن ثم بين سبحانه ما يجب تقديمه فقال «يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار» أي قاتلوا من قرب منكم من الكفار الأقرب منهم فالأقرب في النسب والدار وقال الحسن كان هذا قبل الأمر بقتال المشركين كافة وقال غيره هذا الحكم قائم الآن لأنه لا ينبغي لأهل كل بلد أن يخرجوا إلى قتال الأبعد ويدعوا الأقرب والأدنى لأن ذلك يؤدي إلى الضرر وربما يمنعهم ذلك عن المضي في وجهتهم إلا أن يكون بينهم وبين الأقرب موادعة فلا بأس حينئذ بمجاوزة الأقرب إلى الأبعد على ما يراه المتولي لأمور المسلمين ولو قال سبحانه قاتلوا الأبعد فالأبعد لكان لا يصح لأنه لا حد للأبعد يبتدئ منه كما للأقرب وفي هذا دلالة على أنه يجب على أهل كل ثغر الدفاع عن أنفسهم إذا خافوا على بيضة الإسلام وإن لم يكن هناك إمام عادل وقال ابن عباس أمروا أن يقاتلوا الأدنى فالأدنى من عدوهم مثل قريظة والنضير وخيبر وفدك وقال ابن عمر أنهم الروم لأنهم سكان الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وكان الحسن إذا سئل عن قتال الروم والترك والديلم تلا هذه الآية «وليجدوا فيكم غلظة» أي شجاعة عن ابن عباس وقيل شدة عن مجاهد وقيل صبرا على الجهاد عن الحسن والمعنى وليحسوا منكم بضد اللين وخلاف الرقة وهو العنف والشدة ليكون زجرا لهم «واعلموا أن الله مع المتقين» عن الشرك أي معينهم وناصرهم ومن كان الله ناصره لم يغلبه أحد فأما إذا نصره سبحانه بالحجة فإنه يجوز أن يغلب بالحرب لضرب من المحنة وشدة التكليف ثم عاد الكلام إلى ذكر المنافقين فقال سبحانه «وإذا ما أنزلت سورة» في القرآن «فمنهم» أي من المنافقين «من يقول» على وجه الإنكار أي يقول بعضهم لبعض «أيكم زادته هذه» السورة «إيمانا» وقيل معناه يقول المنافقون للمؤمنين الذين في إيمانهم ضعف أيكم زادته هذه السورة إيمانا أي يقينا وبصيرة «فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا» معناه فأما المؤمنون المخلصون فزادتهم تصديقا بالفرائض مع إيمانهم بالله عن ابن عباس ووجه زيادة الإيمان أنهم كانوا مؤمنين بما قد نزل من قبل وآمنوا بما أنزل الآن «وهم يستبشرون» أي يسرون ويبشر بعضهم بعضا قد تهللت وجوههم وفرحوا بنزولها «وأما الذين في قلوبهم مرض» أي شك ونفاق «فزادتهم رجسا إلى رجسهم» أي نفاقا وكفرا إلى نفاقهم وكفرهم لأنهم يشكون في هذه السورة كما شكوا فيما تقدمها من السورة فذلك هو الزيادة وسمي الكفر رجسا على وجه الذم له وأنه يجب تجنبه كما يجب تجنب الأرجاس وأضاف الزيادة إلى السورة لأنهم يزدادون عندها رجسا ومثله كفى بالسلامة داء وقول الشاعر:
وحسبك داء أن تصح وتسلما «وماتوا