يا أبت بفتح التاء أنه أراد يا أبتا فحذف الألف تخفيفا فإن قلت فهل يجوز أن نحمله على أنه أراد لتصيبن ثم أشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفا كقول عنترة:
ينباع من ذفري غضوب جسرة أراد ينبع ومثله قول ابن هرمة:
فأنت من الغوائل حين ترمي
ومن ذم الرجال بمنتزاح أي بمنتزح قيل قوله تعالى فيما يليه «واعلموا أن الله شديد العقاب» أشبه بما ذكرناه وأما الوجه في قوله «لا تصيبن» فقد قال الزجاج زعم بعض النحويين إن هذا الكلام جزاء خبر وفيه طرف من النهي فإذا قلت أنزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك فهذا جواب الأمر بلفظ النهي والمعنى أنزل أن تنزل عنه لا تطرحك فإذا أتيت بالنون الخفيفة أو الثقيلة كان أوكد للكلام ومثله قوله تعالى «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان» والمعنى إن تدخلوا لا يحطمنكم ويجوز أن يكون نهيا بعد أمر فيكون المعنى اتقوا فتنة ثم نهى بعده فقال «لا تصيبن» الفتنة «الذين ظلموا» أي لا تتعرضن الذين ظلموا لما ينزل بهم معه العذاب ويكون بمعنى يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم أنها أمرت بالدخول ثم نهتهم أن يحطمنهم سليمان فقالت لا يحطمنكم سليمان وجنوده فلفظ النهي لسليمان ومعناه للنمل كما تقول لا أرينك هاهنا قال أبو علي أنه حكى القول الأول على جهة احتمال الآية كاحتمالها للقول الثاني فأما القول الثاني فقول أبي الحسن ولا يصح عندنا إلا قول أبي الحسن لأن قوله «لا تصيبن» لا يخلو إما أن يكون جواب شرط ولا يجوز ذلك لأن دخول النون فيه يكون لضرورة الشعر كما أنشده سيبويه:
ومهما تشأ منه فزارة تمنعن وأما أن يكون نهيا بعد أمر فاستغنى عن استعمال حرف العطف معه لاتصال الجملة الثانية بالأولى كما مضى ذكر أمثاله من قوله «ثلاثة رابعهم كلبهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» وهذا هو الصحيح دون الأول قال ومحال أن يكون جواب الأمر بلفظ النهي كما يستحيل أن يكون جواب الشرط بلفظ النهي لأن جواب الأمر في الحقيقة جواب الشرط ولا يجوز أيضا أن يكون اللفظ لفظ النهي والمعنى معنى الجزاء لأن الجزاء خبر فحكمه أن يكون على ألفاظ الأخبار وألفاظ الأخبار لا تجيء على لفظ الأمر إلا فيما علمته من قولهم أكرم به ومما يدل على أنه ليس