الكفار بما يظهر من أفعالهم القبيحة ومنها أن ذلك لطف للمكلفين إذا أخبروا به ومما يسأل على هذا أن يقال كيف يجمع بين قوله تعالى «ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان وقوله «فلنسألن الذين أرسل إليهم» فو ربك لنسألنهم أجمعين والجواب عنه من وجوه (أحدها) أنه سبحانه نفي أن يسألهم سؤال استرشاد واستعلام وإنما يسألهم سؤال تبكيت وتقريع ولذلك قال عقيبه يعرف المجرمون بسيماهم وسؤال الاستعلام مثل قولك أين زيد ومن عندك وهذا لا يجوز على الله سبحانه وسؤال التوبيخ والتقريع كمن يقول ألم أحسن إليك فكفرت نعمتي ومنه قوله ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألم تكن آياتي تتلى عليكم وكقول الشاعر:
أ طربا وأنت قنسري) أي كبير السن وهذا توبيخ منه لنفسه أي كيف أطرب مع الكبر والشيب وقد يكون السؤال للتقرير كقول الشاعر:
أ لستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راح أي أنتم كذلك وفي ضده قوله:
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر أي لا يصلح وأما سؤال المرسلين فليس بتقريع ولا توبيخ لهم ولكنه توبيخ للكفار وتقريع لهم (وثانيها) أنهم إنما يسألون يوم القيامة كما قال وقفوهم إنهم مسئولون ثم تنقطع مسألتهم عند حصولهم في العقوبة وعند دخولهم النار فلا تنافي بين الخبرين بل هو إثبات للسؤال في وقت ونفي له في وقت آخر (وثالثها) أن في القيامة مواقف ففي بعضها يسأل وفي بعضها لا يسأل فلا تضاد بين الآيات وأما الجمع بين قوله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وقوله «وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» فهو أن الأول معناه لا يسأل بعضهم بعضا سؤال استخبار عن الحال التي جهلها بعضهم لتشاغلهم عن ذلك ولكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه والثاني معناه يسأل بعضهم بعضا سؤال تلاوم وتوبيخ كما قال في موضع آخر يتلاومون وكقوله «أنحن صددناكم عن الهدى» الآية ومثل ذلك كثير في القرآن ثم بين سبحانه ما ذكرناه من أنه لا يسألهم سؤال استعلام بقوله «فلنقصن عليهم» أي لنخبرنهم بجميع أفعالهم ليعلموا أن أعمالهم كانت محفوظة وليعلم كل منهم جزاء عمله وأنه لا ظلم عليه وليظهر لأهل الموقف أحوالهم «بعلم» قيل معناه نقص عليهم أعمالهم بأنا عالمون بها وقيل معناه بمعلوم كما قال