غاية يضرب به المثل فيها وإنما سمى الله تعالى الكافر ميتا لأنه لا ينتفع بحياته ولا ينتفع غيره بحياته فهو أسوء حالا من الميت إذ لا يوجد من الميت ما يعاقب عليه ولا يتضرر غيره به وسمي المؤمن حيا لأن له ولغيره المصلحة والمنفعة في حياته وكذلك سمي الكافر ميتا والمؤمن حيا في عدة مواضع مثل قوله «إنك لا تسمع الموتى» و «لينذر من كان حيا» وقوله «وما يستوي الأحياء ولا الأموات» وسمي القرآن والإيمان والعلم نورا لأن الناس يبصرون بذلك ويهتدون به من ظلمات الكفر وحيرة الضلالة كما يهتدي بسائر الأنوار وسمي الكفر ظلمة لأن الكافر لا يهتدي بهداه ولا يبصر أمر رشده وهذا كما سمي الكافر أعمى في قوله «أفمن يعلم إنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى» وقوله «وما يستوي الأعمى والبصير» «كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون» وجه التشبيه بالكافر أن معناه زين لهؤلاء الكفر فعملوه مثل ما زين لأولئك الإيمان فعملوه فشبه حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه كما قال سبحانه كل حزب بما لديهم فرحون وروي عن الحسن أنه قال زينه والله لهم الشيطان وأنفسهم واستدل بقوله «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم» وقوله «زين» لا يقتضي مزينا غيرهم لأنه بمنزلة قوله تعالى «أنى يصرفون» و «أنى يؤفكون» وقول العرب أعجب فلان بنفسه وأولع بكذا ومثله كثير «وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر» أي مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم ومثل ذلك جعلنا في كل قرية أكابر «مجرميها» وجعلنا ذا المكر من المجرمين كما جعلنا ذا النور من المؤمنين فكل ما فعلنا بهؤلاء فعلنا بأولئك إلا أن أولئك اهتدوا بحسن اختيارهم وهؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم لأن في كل واحد منهما الجعل بمعنى الصيرورة إلا أن الأول باللطف والثاني بالتمكين من المكر وإنما خص أكابر المجرمين بذلك دون الأصاغر لأنه أليق بالاقتدار على الجميع لأن الأكابر إذا كانوا في قبضة القادر فالأصاغر بذلك أجدر واللام في قوله «ليمكروا فيها» لام العاقبة ويسمى لام الصيرورة كما في قوله سبحانه «ليكون لهم عدوا وحزنا» وكما قال الشاعر:
فأقسم لو قتلوا مالكا
لكنت لهم حية راصدة
وأم سماك فلا تجزعي
فللموت ما تلد الوالدة «وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون» لأن عقاب ذلك يحل بهم ولا يصح أن يمكر الإنسان بنفسه على الحقيقة لأنه لا يصح أن يخفي عن نفسه معنى ما يحتال به عليها ويصح أن يخفي ذلك عن غيره وفائدة الآية أن أكابر مجرميها لم يمكروا بالمؤمنين على وجه