ثلاثة أضرب اختلاف تناقض واختلاف تفاوت واختلاف تلاوة واختلاف التفاوت يكون في الحسن والقبح والخطإ والصواب ونحو ذلك مما تدعو إليه الحكمة وتصرف عنه وهذا الجنس من الاختلاف لا يوجد في القرآن البتة كما لا يوجد اختلاف التناقض وأما اختلاف التلاوة فهو ما يتلاوم في الجنس كاختلاف وجوه القرآن واختلاف مقادير الآيات والسور واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ فذلك موجود في القرآن وكله حق وكله صواب واستدل بعضهم بانتفاء التناقض عن القرآن على أنه من فعل الله بأن قال لو لم يكن ذلك دلالة لما أخبرنا الله به ولو لم يخبر بذلك لكان لقائل أن يقول أنه يمكن أن يتحفظ في الكلام ويهذب تهذيبا لا يوجد لذلك فيه شيء من التناقض وعلى هذا فلا يمكن أن يجعل انتفاء التناقض جهة إعجاز القرآن إلا بعد معرفة صحة السمع وصدق النبي ثم عاد تعالى إلى ذكر حالتهم فقال «وإذا جاءهم» يعني هؤلاء الذين سبق ذكرهم من المنافقين وقيل هم الذين ذكرهم من ضعفة المسلمين «أمر من الأمن أو الخوف» يريد ما كان يرجف به من الأخبار في المدينة أما من قبل عدو يقصدهم وهو الخوف أو من ظهور المؤمنين على عدوهم وهو الأمن «أذاعوا به» أي تحدثوا به وأفشوه من غير أن يعلموا صحته كره الله ذلك لأن من فعل هذا فلا يخلو كلامه من كذب ولما يدخل على المؤمنين به من الخوف ثم قال «ولو ردوه إلى الرسول» المعنى ولو سكتوا إلى أن يظهره الرسول «وإلى أولي الأمر منهم» قال أبو جعفر (عليه السلام) هم الأئمة المعصومون وقال السدي وابن زيد وأبو علي والجبائي هم أمراء السرايا والولاة وقال الحسن وقتادة وغيرهم أنهم أهل العلم والفقه الملازمون للنبي لأنهم لو سألوه عن حقيقة ما أرجفوا به لعلموه واختاره الزجاج وأنكر أبو علي الجبائي هذا الوجه وقال إنما يطلق أولوا الأمر على من له الأمر على الناس «لعلمه الذين يستنبطونه» أي لعلم ذلك الخبر الذين يستخرجونه عن الزجاج وقيل يتحسسونه عن ابن عباس وأبي العالية وقيل يبتغونه ويطلبون علم ذلك عن الضحاك وقيل يسألون عنه عن عكرمة قال استنباطهم سؤالهم الرسول عنه وجميع هذه الأقوال متقاربة المعنى «منهم» قيل إن الضمير في «منهم» يعود إلى «أولي الأمر» وهو الأظهر وقيل يعود إلى الفرقة المذكورة من المنافقين أو الضعفة «ولو لا فضل الله عليكم ورحمته» أي لو لا إيصال مواد الألطاف من جهة الله وقيل فضل الله الإسلام ورحمته القرآن عن ابن عباس وقيل فضل الله النبي ورحمته القرآن عن الضحاك والسدي وهو اختيار الجبائي وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) فضل الله ورحمته النبي وعلي «لاتبعتم الشيطان إلا قليلا» قيل فيه أقوال (أحدها) إن في الكلام تقديما وتأخيرا والاستثناء من قوله «أذاعوا به» عن ابن عباس