آخرها هذه الآية ، فتأمّل كيف ابتدىء بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى ا لله ورسوله متقدّمة على الأمور كلها من غير حصر ولا تقييد ، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر . كأن الأوّل بساط للثاني ووطأه لذكره ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك فغضوا أصواتهم ، دلالة على عظيم موقعه عند الله ، ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم وهجنته أتم: من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر ، كما يصاح بأهون الناس قدرًا ، لينبه على فظاعة من أجروا إليه وجسروا عليه ؛ لأنّ من رفع الله قدره على أن يجهر له بالقول حتى خاطبه جلة المهاجرين والأنصار بأخي السرار ، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغًا ؛ ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب وتقتبس محاسن الآداب ، كما يحكى عن أبي عبيد ومكانه من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى أنه قال: ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج من وقت خروجه { أَنَّهُمْ صَبَرُواْ } في موضع الرفع على الفاعلية ؛ لأنّ المعنى: ولو ثبت صبرهم . والصبر: حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها . قال الله تعالى: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم } ( الكهف: 28 ) وقولهم: صبر عن كذا ، محذوف منه المفعول ، وهو النفس ، وهو حبس فيه شدَّة ومشقة على المحبوس ، فلهذا قيل للحبس على اليمين أو القتل: صبر . وفي كلام بعضهم: الصبر مرّ لا يتجرّعه إلا حرّ . فإن قلت: هل من فرق بين { حَتَّى تَخْرُجَ } وإلى أن تخرج ؟ قلت: إنّ ( حتى ) مختصة بالغاية المضروبة . تقول: أكلت السمكة حتى رأسها ، ولو قلت: حتى نصفها ، أو صدرها: لم يجز ، و ( إلى ) عامّة في كل غاية ، فقد أفادت ( حتى ) بوضعها: أنّ خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم غاية قد ضربت لصبرهم ، فما كان لهم أن يقطعوا أمرًا دون الانتهاء إليه . فإن قلت: فأي فائدة في قوله: { إِلَيْهِمْ } ؟ قلت: فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم ، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أنّ خروجه إليهم { لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ } في ( كان ) إما ضمير فاعل الفعل المضمر بعد لو ، وإما ضمير مصدر { صَبَرُواْ } ، كقولهم: من كذب كان شرًا له { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بليغ الغفران والرحمة واسعهما ، فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا .
! 7 < { ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الاٌّ مْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَاكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الايمَانَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَائِكَ هُمُ الرَاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } > 7 < الحجرات: ( 6 ) يا أيها الذين . . . . . > >