نارًا فاحترقوا . وروي أنّ شعيبًا بعث إلى أمتين: أصحاب مدين ، وأصحاب الأيكة ، فأهلكت مدين بصيحة جبريل ، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة . فإن قلت: كيف كرّر في هذه السورة في أوّل كل قصة وآخرها ما كرّر ؟ قلت: كل قصة منها كتنزيل برأسه ، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها ، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها ، وأن تختتم بما اختتمت به ، ولأنّ في التكرير تقريرًا للمعاني في الأنفس ، وتثبيتًا لها في الصدور . ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا ترديد ما يراد تحفظه منها ، وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب وأرسخ في الفهم وأثبت للذكر وأبعد من النسيان ، ولأنّ هذه القصص طرقت بها آذان وقر عن الإنصات للحق ، وقلوب غلف عن تدبره ، فكوثرت بالوعظ والتذكير ، وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنًا ، أو يفتتق ذهنًا ، أو يصقل عقلًا طال عهده بالصقل ، أو يجلو فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ .
! 7 < { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاٌّ مِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الاٌّ وَّلِينَ } > 7 !
< < الشعراء: ( 192 ) وإنه لتنزيل رب . . . . . > > {وَإِنَّهُ } وإن هذا التنزيل ، يعني: ما نزل من هذه القصص والآيات . والمراد بالتنزيل: المنزل . والباء في { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ } ونزل به الروح ، على القراءتين للتعدية . ومعنى { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ } جعل الله الروح نازلًا به { عَلَى قَلْبِكَ } أي: حفظكه وفهمك إياه ، وأثبته في قلبك إثبات مالًا ينسى ، كقوله تعالى: { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى } ( الأعلى: 6 ) { بِلِسَانٍ عَرَبِىّ } إما أنّ يتعلق بالمنذرين ، فيكون المعنى: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود ، وصالح ، وشعيب ، وإسمعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام . وإما أن يتعلق بنزل ، فيكون المعنى: نزله باللسان العربي لتنذر به ؛ لأنه لو نزله باللسان