الكيد لرسوله صلى الله عليه وسلم مع علمكم أنّ ما تقولونه باطل وزور ، وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما تبهتوته به ، وهو يجازيكم ويجازيه على ما علم منكم وعلم منه . فإن قلت: كيف طابق قوله: { إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } هذا المعنى ؟ قلت: لما كان ما تقدّمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه ، لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلاّ القادر على العقوبة ، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبًّا ، ولكن صرف ذلك عنهم إنه غفور رحيم: يمهل ولا يعاجل .
! 7 < { وَقَالُواْ مَا لِهَاذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الاٌّ سْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا } > 7 !
< < الفرقان: ( 7 ) وقالوا ما لهذا . . . . . > > وقعت اللام في المصحف مفصولة عن هذا خارجة عن أوضاع الخط العربي ، وخط المصحف سنة لا تغير . وفي هذا استهانة وتصغير لشأنه وتسميته بالرسول سخرية منهم وطنز ، كأنهم قالوا: ما لهذا الزاعم أنه رسول . ونحوه قول فرعون { إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } ( الشعراء: 27 ) أي: إن صحّ أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا { يَأْكُلُ الطَّعَامَ } كما نأكل ؛ ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد ، يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكًا مستغنيًا عن الأكل والتعيش . ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكًا إلى اقتراح أن يكون إنسانًا معه ملك ، حتى يتساندا في الإنذار والتخويف ، ثم نزلوا أيضًا فقالوا: وإن لم يكن مرفودًا بملك فليكن مرفودًا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش . ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلًا له بستان يأكل منه ويرتزق كما الدهاقين والمياسير ، أو يأكلون هم من ذلك البستان فينتفعون به في دنياهم ومعاشهم . وأراد بالظالمين: إياهم بأعيانهم: وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا: وقرىء: ( فيكون ) بالرفع ، أو يكون له جنة ، بالياء ، ونأكل ، بالنون . فإن قلت: ما وجها الرفع والنصب في فيكون ؟ قلت: النصب لأنه جواب ( لولا ) بمعنى ( هلا ) وحكمه حكم الاستفهام . والرفع على أنه معطوف على أنزل ، ومحله الرفع ، ألا تراك تقول: لولا ينزل بالرفع ، وقد عطف عليه: يلقى ، وتكون مرفوعين ، ولا يجوز النصب فيهما لأنهما في حكم الواقع بعد لولا ، ولا يكون إلاّ مرفوعًا . والقائلون هم كفار قريش النضر بن الحرث ، وعبد الله بن أبي أمية ، ونوفل بن خويلد ومن ضامهم