فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ > 7 !
< < ق: ( 19 ) وجاءت سكرة الموت . . . . . > > لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه ، أعلمهم أن ما أنكروه وجحدوه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة ، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي . وهو قوله: { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ } { وَنُفِخَ فِى الصُّورِ } ، وسكرة الموت: شدّته الذاهبة بالعقل . والباء في بالحق للتعدية ، يعني: وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي أنطق الله به كتبه وبعث به رسله . أو حقيقة الأمر وجلية الحال: من سعادة الميت وشقاوته . وقيل: الحق الذي خلق له الإنسان ، أن كل نفس ذائقة الموت . ويجوز أن تكون الباء مثلها في قوله: { تَنبُتُ بِالدُّهْنِ } ( المؤمنون: 20 ) أي وجاءت ملتبسة بالحق ، أي: بحقيقة الأمر . أو بالحكمة والغرض الصحيح ، كقوله تعالى: { خُلِقَ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ بِالْحَقّ } ( الأنعام: 73 ) وقرأ أبو بكر وابن مسعود رضي الله عنهما ( سكرة الحق بالموت ) على إضافة السكرة إلى الحق والدلالة على أنها السكرة التي كتبت على الإنسان وأوجبت له ، وأنها حكمة . والباء للتعدية ؛ لأنها سبب زهوق الروح لشدتها ، أو لأنّ الموت يعقبها ؛ فكأنها جاءت به . ويجوز أن يكون المعنى: جاءت ومعها الموت . وقيل سكرة الحق سكرة الله ، أضيفت إليه تفظيعًا لشأنها وتهويلًا . وقرىء: ( سكرات الموت ) { ذَلِكَ } إشارة إلى الموت ، والخطاب للإنسان في قوله: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ } ( الحجر: 26 ) على طريق الالتفات . أو إلى الحق والخطاب للفاجر { تَحِيدُ } تنفر وتهرب . وعن بعضهم: أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك فقال: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فحكاه لصالح بن كيسان فقال: والله ما سنّ عالية ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب ، هو للكافر . ثم حكاهما للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس فقال: أخالفهما جميعًا: هو للبر والفاجر { ذَلِكَ يَوْمَ الْوَعِيدِ } على تقدير حذف المضاف ، أي: وقت ذلك يوم الوعيد ، والإشارة إلى مصدر نفخ { سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } ملكان: أحدهما يسوقه إلى المحشر ، والآخر يشهد عليه بعمله . أو ملك واحد جامع بين الأمرين ، كأنه قيل: معها ملك يسوقها ويشهد عليها ؛ ومحل { مَّعَهَا سَائِقٌ } النصب على الحال من كل لتعرّفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة . قرىء: ( لقد كنت ) عنكِ غطائكِ فبصركِ ، بالكسر على خطاب النفس ، أي: يقال لها لقد كنتِ . جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده كله أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئًا ؛ فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت الغفلة عنه وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق . ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته: حديدًا لتيقظه .