والصغار ، فالتجأ إلى ربه عند ذلك وقال: ربِّ نزولُ السجن أحبّ إلي من ركوب المعصية . فإن قلت: نزول السجن مشقة على النفس شديدة ، وما دعونه إليه لذة عظيمة ، فكيف كانت المشقة أحبّ إليه من اللذة ؟ قلت: كانت أحبّ إليه وآثر عنده نظرًا في حسن الصبر على احتمالها لوجه الله ، وفي قبح المعصية ، وفي عاقبة كل واحدة منهما ، لا نظرًا في مشتهى النفس ومكروهها { وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ } فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته ، كعادة الأنبياء والصالحين فيما عزم عليه ووطن عليه نفسه من الصبر ، لا أن يطلب منه الإجبار على التعفف والإلجاء إليه { أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } أمل إليهنّ . والصبوة: الميل إلى الهوى . ومنها: الصبا ؛ لأنّ النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها وقرىء: ( أصب إليهنّ ) من الصبابة { مِنَ الْجَاهِلِينَ } من الذين لا يعملون بما يعلمون . لأنّ من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء . أو من السفهاء ، لأنّ الحكيم لا يفعل القبيح . وإنما ذكر الاستجابة ولم يتقدّم الدعاء ، لأنّ قوله { وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى } فيه معنى طلب الصرف والدعاء باللطف { السَّمِيعُ } لدعوات الملتجئين إليه { الْعَلِيمُ } بأحوالهم وما يصلحهم .
! 7 < { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } > 7 !
< < يوسف: ( 35 ) ثم بدا لهم . . . . . > > {بَدَا لَهُمْ } فاعله مضمر ، لدلالة ما يفسره عليه وهو: ليسجننه ، والمعنى: بدالهم بداء ، أي: ظهر لهم رأي ليسجننه ، والضمير في { لَهُمْ } للعزيز وأهله { مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ } وهي الشواهد على براءته ، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها ، وفتلها منه في الذروة والغارب وكان مطواعة لها وجميلًا ذلولا زمامه في يدها ، حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات وعمل برأيها في سجنه وإلحاق الصغار به كما أوعدته به ، وذلك لما أيست من طاعته لها ، أو لطمعها في أن يذلله السجن ويسخره لها . وفي قراءة الحسن: ( لتسجننه ) بالتاء على الخطاب: خاطب به بعضهم العزيز ومن يليه ، أو العزيز وحده على وجه التعظيم { حَتَّى حِينٍ } إلى زمان ، كأنها اقترحت أن يسجن زمانًا حتى تبصر ما يكون منه . وفي قراءة ابن مسعود ( عتى حين ) وهي لغة هذيل ، وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلًا يقرأ: ( عتى حين ) فقال: من أقرأك ؟ قال: ابن مسعود فكتب إليه: إن الله أنزل هذا القرآن فجعله عربيًا وأنزله بلغة قريش ، فأقرىء الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل ، والسلام .
! 7 < { وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } > 7 !
< < يوسف: ( 36 ) ودخل معه السجن . . . . . > > {مَّعَ } يدل على معنى الصحبة واستحداثها ، تقول: خرجت مع الأمير ، تريد مصاحبًا