حكمتي على ابتلاء بعضكم أيها الناس ببعض . والمعنى: أنه أبتلى المرسلين بالمرسل إليهم ، وبمناصبتهم لهم العداوة ، وأقاويلهم الخارجة عن حدّ الإنصاف ، وأنواع أذاهم ، وطلب منهم الصبر الجميل ، ونحوه { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذالِكَ مِنْ عَزْمِ } ( آل عمران: 186 ) وموقع { أَتَصْبِرُونَ } بعد ذكر الفتنة موقع { أَيُّكُمْ } بعد الابتلاء في قوله: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } ( هود: 27 ) ، ( الملك: 2 ) { بَصِيرًا } عالمًا بالصواب فيما يبتلي به وغيره فلا يضيقنّ صدرك ، ولا يستخفنك أقاويلهم فإن في صبرك عليها سعادتك وفوزك في الدارين . وقيل: هو تسلية له عما عيروه به من الفقر ، حين قالوا: أو يلقى إليه كنز ، أو تكون له جنة ، وأنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء ؛ لينظر: هل يصبرون ؟ وأنها حكمته ومشيئته: يغني من يشاء ويفقر من يشاء . وقيل: جعلناك فتنة لهم ؛ لأنك لو كنت غنيًا صاحب كنوز وجنان لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا ، أو ممزوجة بالدنيا ؛ فإنما بعثناك فقيرًا ليكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي . وقيل: كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ومن في طبقتهم يقولون: إن إسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار وصهيب ، وبلال وفلان وفلان ترفعوا علينا إدلالًا بالسابقة ، فهو افتتان بعضهم ببعض .
! 7 < { وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا } > 7 !
< < الفرقان: ( 21 ) وقال الذين لا . . . . . > > أي لا يأملون لقاءنا بالخير لأنهم كفرة . أو لا يخافون لقاءنا الشر . والرجاء في لغة تهامة: الخوف ، وبه فسر قوله تعالى: { لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } ( نوح: 13 ) جعلت الصيرورة إلى دار جزائه بمنزلة لقائه لو كان ملقيًا . . اقترحوا من الآيات أن ينزل الله عليهم الملائكة فتخبرهم بأن محمدًا صادقًا حتى يصدقوه . أو يروا الله جهرة فيأمرهم بتصديقه واتباعه . ولا يخلو: إما أن يكونوا عالمين بأن الله لا يرسل الملائكة إلى غير الأنبياء ، وأن الله لا يصحّ أن يرى . وإنما علقوا عالمين بأن الله لا يكون . وإما أن لا يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم ، كما فعل قوم موسى حين قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . فإن قلت: ما معنى { فِى أَنفُسِهِمْ } ؟ قلت: معناه أنهم أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعنادفي قلوبهم واعتقدوه . كما قال: { إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ } ( غافر: 56 ) . { وَعَتَوْا } وتجاوزوا الحدّ في الظلم . يقال: عتا علينا فلان . وقد وصف العتوّ