تستحفظنيه ، عالم بوجوه التصرف ، وصفا لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه ، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل ، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد ، ولعلمه أنّ أحدًا غيره لا يقوم مقامه في ذلك ، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا . وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
( 551 ) ( رحم الله أخي يوسف ، لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض ، لاستعمله من ساعته ، ولكنه أخر ذلك سنة ) فإن قلت: كيف جاز أن يتولى عملا من يد كافر ويكون تبعًا له وتحت أمره وطاعته ؟ قلت: روى مجاهد أنه كان قد أسلم: وعن قتادة . هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملًا من يد سلطان جائر ، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه . وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق . فله أن يستظهر به . وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى ، فكان في حكم التابع له والمطيع .
! 7 < { وَكَذالِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الاٌّ رْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } > 7 !
< < يوسف: ( 56 ) وكذلك مكنا ليوسف . . . . . > > { وَكَذالِكَ } ومثل ذلك التمكين الظاهر { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } في أرض مصر . روي أنها كانت أربعين فرسخًا في أربعين { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } قرىء بالنون والياء ، أي: كل مكان أراد أن يتخذه منزلًا ومتبوّأ له ، لم يمنع منه لا ستيلائه على جميعها ودخوله تحت ملكته وسلطانه . روي: أنّ الملك توّجه ، وختمه بخاتمه ، ورداه بسيفه . ووضع له سريرًا من ذهب مكللا بالدرّ والياقوت . روي أنه قال له: أمّا السرير فأشدّ به ملكك . وأمّا الخاتم فأدبر به أمرك ، وأمّا التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي . فقال: قد وضعته إجلالا لك وإقرارًا بفضلك . فجلس على السرير ودانت له الملوك ، وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير ، ثم مات بعده ، فزوّجه الملك امرأته زليخا ، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيرًا مما طلبت ؟ فوجدها عذراء ، فولدت له ولدين: إفراثيم وميشا ، وأقام العدل بمصر ، وأحبته الرجال والنساء ، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس ، وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها ، ثم بالحلي والجواهر ، ثم بالدواب ، ثم بالضياع والعقار ، ثم برقابهم حتى استرقهم جميعًا ، فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكًا أجل ولا أعظم منه فقال الملك كيف رأيت صنع إليه بي فيما