فهرس الكتاب

الصفحة 2813 من 2833

كرّمت عليّ ) والمعنى: هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو ؟ إن لم تعرفه { فَذَلِكَ الَّذِى } يكذب بالجزاء ، هو الذي { يَدُعُّ الْيَتِيمَ } أي: يدفعه دفعًا عنيفًا بجفوة وأذى ، وبردّه ردًّا قبيحًا بزجر وخشونة . وقرىء: ( يدع ) أي: يترك ويجفو { وَلاَ يَحُضُّ } ولا يبعث أهله على بذل طعام المسكين ، جعل علم التكذيب بالجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء الضعيف ، يعني: أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد ، لخشى الله تعالى وعقابه ولم يقدم على ذلك ، فحين أقدم عليه: على أنه مكذب ، فما أشدّه من كلام ، وأما أخوفه من مقام . وما أبلغه في التحذير من المعصية وأنها جديرة بأن يستدلّ بها على ضعف الإيمان ورخاوة عقد اليقين ، ثم وصل به قوله { فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ } كأنه قال: فإذا كان الأمر كذلك ، فويل للمصلين الذين يسهون عن الصلاة قلة مبالاة بها ، حتى تفوتهم أو يخرج وقتها ، أو لا يصلونها كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ولكن ينقرونها نقرًا من غير خشوع وإخبات ولا اجتناب لما يكره فيها: من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات ، لا يدري الواحد منهم عن كم انصرف ، ولا ما قرأ من السور ، كما ترى صلاة أكثر من ترى الذين عادتهم الرياء بأعمالهم ومنع حقوق أموالهم . والمعنى: أن هؤلاء أحق بأن يكون سهوهم عن الصلاة التي هي عماد الدين ، والفارق بين الإيمان والكفر والرياء الذي هو شعبه من الشرك ، ومنع الزكاة التي هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام علمًا على أنهم مكذبون بالدين . وكم ترى من المتسمين بالإسلام ، بل من العلماء منهم من هو على هذه الصفة ، فيا مصيبتاه . وطريقة أخرى: أن يكون { فَذَلِكَ } عطفًا على { الَّذِى يُكَذّبُ } إمّا عطف ذات على ذات ، وصفة على صفة ، ويكون جواب { أَرَأَيْتَ } محذوفًا لدلالة ما بعده عليه ، كأنه قيل: أخبرني ، وما تقول فيمن يكذب بالجزاء ؟ وفيمن يؤذي اليتيم ولا يطعم المسكين ؟ أنِعم ما يصنع ؟ ثم قال: { فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ } أي: إذا علم أنه مسىء ، فويل للمصلين ، على معنى: فويل لهم ، إلا أنه وضع صفتهم موضع ضميرهم ؛ لأنهم مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين ، غير مزكين أموالهم . فإن قلت: كيف جعلت المصلين قائمًا مقام ضمير الذي يكذب ، وهو واحد ؟ قلت: معناه الجمع ، لأنّ المراد به الجنس . فإن قلت: أيّ فرق بين قوله: { عَن صَلَاتِهِمْ } وبين قولك: ( في صلاتهم ) ؟ قلت: معنى: ( عن ) : أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها ؛ وذلك فعل المنافقين أو الفسقة الشطار من المسلمين . ومعنى ( في ) : أنّ السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس ، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت