فهرس الكتاب

الصفحة 1930 من 2833

يعاتبه في نفس الأمر ولم يأمره بقمع الشهوة وكف النفس عن أن تنازع إلى زينب وتتبعها ؟ ولم يعصم نبيه صلى الله عليه وسلم عن تعلق الهجنة به وما يعرضه للقالة ؟ قلت: كم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من اطلاع الناس عليه ، وهو في نفسه مباح متسع ، وحلال مطلق ، لا مقال فيه ولا عيب عند الله ، وربما كان الدخول في ذلك المباح سلمًا إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين ويجلّ ثوابها ، ولو لم يتحفظ منه لأطلق كثير من الناس فيه ألسنتهم إلاّ من أوتي فضلًا وعلمًا ودينًا ونظرًا في حقائق الأمور ولبوبها دون قشورها . ألا ترى أنهم كانوا إذا طمعوا في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوا مرتكزين في مجالسهم لا يرتمون مستأنسين بالحديث ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذيه قعودهم ويضيق صدره حديثهم ، والحياء يصده أن يأمرهم بالانتشار ، حتى نزلت { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىّ فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْىِ * مِنَ الْحَقّ } ( الأحزاب: 53 ) ولو أبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم مكنون ضميره وأمرهم أن ينتشروا ، لشقّ عليهم ، ولكان بعض المقالة ، فهذا من ذاك القبيل ، لأن طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من امرأة أو غيرها غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع ، لأنه ليس بفعل الإنسان ولا وجوده باختياره ، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضًا ، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها ، ولا طلب إليه وهو أقرب منه من زرّ قميصه أن يواسيه بمفارقتها ، مع قوة العلم بأن نفس زيد لم تكن من التعلق بها في شيء ، بل كانت تجفوا عنها ، ونفس رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلقة بها ، ولم يكن مستنكرًا عندهم أن ينزل الرجل عن امرأته لصديقه ، ولا مستهجنًا إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر ، فإنّ المهاجرين حين دخلوا المدينة استهم الأنصار بكل شيء ، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجر ، وإذا كان الأمر مباحًا من جميع جهاته ولم يكن فيه وجه من وجوه القبح ولا مفسدة ولا مضرّة بزيد ولا بأحد ، بل كان مستجرًا مصالح ، ناهيك بواحدة منها أن بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنت الأيمة والضيعة ونالت الشرف وعادت أُمًا من أمّهات المسلمين ، إلى ما ذكر الله عزّ وجلّ من المصلحة العامّة في قوله: { لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرًا } فبالحري أن يعاتب الله ورسوله حين كتمه وبالغ في كتمه بقوله: { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ } وأن لا يرضى له إلا اتحاد الضمير والظاهر ، والثبات في مواطن الحق ، حتى يقتدي به المؤمنون ، فلا يستحيوا من المكافحة بالحق وإن كان مرًا . فإن قلت: الواو في { وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ } ، { وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ } ما هي ؟ قلت: واو الحال ، أي: تقول لزيد: أمسك عليك زوجك مخفيًا في نفسك إرادة أن لا يمسكها ، وتخفى خاشيًا قالة الناس وتخشى الناس ، حقيقًا في ذلك بأن تخشى الله ، أو واو العطف ، كأنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت