فهرس الكتاب

الصفحة 1111 من 2833

أني خفت الله . فإن قلت: كيف جاز على نبيّ الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصدٌ إليها ؟ قلت المراد أنّ نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلًا يشبه الهم به والقصد إليه ، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم . وهو يكسر ما به ويردّه بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم ، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى همًا لشدّته لما كان صاحبه ممدوحًا عند الله بالامتناع ؛ لأن استعظام الصبر على الابتلاء ، على حسب عظم الابتلاء وشدته . ولو كان همه كهمها عن عزيمة ، لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين . ويجوز أن يريد بقوله: { وَهَمَّ بِهَا } وشارف أن يهم بها ، كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله ، يريد مشارفة القتل ومشافهته . كأنه شرع فيه فإن قلت: قوله { وَهَمَّ بِهَا } داخل تحت حكم القسم في قوله: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } أم هو خارج منه ؟ قلت: الأمران جائزان . ومن حق القارىء إذا قدّر خروجه من حكم القسم وجعله كلامًا برأسه أن يقف على قوله: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } ويبتدىء قوله: { وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } وفيه أيضًا إشعار بالفرق بين الهمين . لم جلبت جواب لولا محذوفًا يدل عليه هم بها وهلا علته هو الجواب مقدمًا فإن قلت: لأن لولا لا يتقدم عليها جوابها ، من قبل أنه في حكم الشرط ، وللشرط صدر الكلام وهو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمة واحدة ، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض . وأما حذف بعضها إذا دلّ الدليل عليه فجائز ، فإن قلت: فلم جعلت ( لولا ) متعلقة بهمّ بها وحده ولم تجعلها متعلقة بجملة قوله: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } لأن الهمّ لا يتعلق بالجواهر ولكن بالمعاني . فلا بدّ من تقدير المخالطة والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معًا ، فكأنه قيل: ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما ؟ قلت: نعم ما قلت ، ولكنّ الله سبحانه وتعالى قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } فكان إغفاله إلغاء له ، فوجب أن يكون التقدير ، ولقد همت بمخالطته وهم بمخالطتها ، على أنّ المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه ، وتوصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } فترك التوصل إلى حظه من الشهوة ؛ فلذلك كانت ( لولا ) حقيقة بأن تعلق بهمّ بها وحده ، وقد فسرهمّ يوسف بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع ، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها ، وفسر البرهان بأنه سمع صوتًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت