فهرس الكتاب

الصفحة 893 من 2833

الصبية . والدنيا والقصوى: تأنيث الأدنى والأقصى . فإن قلت: كلتاهما ( فعلى ) من بنات الواو ، فلم جاءت إحداهما بالياء والثانية بالواو ؟ قلت: القياس هو قلب الواو ياء كالعليا . وأما القصوى فكالقود في مجيئه على الأصل . وقد جاء القصيا ، إلا أنّ استعمال القصوى أكثر ، كما كثر استعمال ( استصوب ) مع مجيء ( استصاب ) و ( أغيلت ) مع ( أغالت ) والعدوة الدنيا مما يلي المدينة ، والقصوى مما يلي مكة { وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ } يعني الركب الأربعين الذين كانوا يقودون العير أسفل منكم بالساحل . وأسفل: نصب على الظرف ، معناه: مكانًا أسفل من مكانكم ، وهو مرفوع المحل ؛ لأنه خبر المبتدأ . فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين ( وأن العير كانت أسفل منهم ) ؟ قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدوّ وشوكته ، وتكامل عدّته ، وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم وأنّ غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعًا من الله سبحانه ، ودليلًا على أنّ ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوّته وباهر قدرته ، وذلك أنّ العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء ، وكانت أرضًا لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار تسوخ فيها الأرجل ، ولا يمش فيها إلا بتعب ومشقة . وكانت العير وراء ظهور العدوّ مع كثرة عددهم ، فكانت الحماية دونها ، تضاعف حميتهم وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم . ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم ، ليبعثهم الذب عن الحريم والغيرة على الحرم على بذل جهيداهم في القتال ، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدّثون أنفسهم بالانحياز إليه ، فيجمع ذلك قلوبهم ويضبط هممهم ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم ولا يخلوا مراكزهم ، ويبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدّتهم . وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر . ليقضي أمرًا كان مفعولًا من إعزاز دينه وإعلاء كلمته حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة ، حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج ، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأموالهم ، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم ، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ووراءهم العير يحامون عليها ، حتى قامت الحرب على ساق وكان ما كان { وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ } أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت