والأمين: من أمن الرجل أمانة فهو أمين . وقيل: أمان ، كما قيل: كرام في كريم . وأمانته: أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه . ويجوز أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول ، من أمنه لأنه مأمون الغوائل ، كما وصف بالأمن في قوله تعالى: { حَرَّمَ * مِنَ } ( القصص: 57 ) بمعنى ذي أمن: ومعنى القسم بهذه الأشياء: الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين . فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه ، والطور: المكان الذي نودي منه موسى . ومكة: مكان البيت الذي هو هدى للعالمين ، ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه { فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه . ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية: أن رددناه أسفل من سفل خلقًا وتركيبًا ، يعني: أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة ، وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات . أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل: حيث نكسناه في خلقه ، فقوّس ظهره بعد اعتداله ، وابيض شعره بعد سواده ، وتشنن جلده وكان بضًا وكلَّ سمعه وبصره وكانا حديدين ، وتغير كل شيء منه: فمشيه دليف ، وصوته خفات ، وقوته ضعف ، وشهامته خرف وقرأ عبد الله: ( أسفل السافلين ) . فإن قلت: فكيف الاستثناء على المذهبين ؟ قلت: هو على الأول متصل ظاهر الاتصال ، وعلى الثاني: منقطع . يعني: ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله بالشيخوخة والهرم ، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل نهوضهم . فإن قلت: { فَمَا يُكَذّبُكَ } من المخاطب به ؟ قلت: هو خطاب للإنسان على طريقة الالتفات ، أي: فما يجعلك كاذبًا بسبب الدين وإنكاره بعد هذا الدليل ، يعني أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء ، لأنّ كل مكذب بالحق فهو كاذب ، فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبًا بسبب تكذيب الجزاء . والباء مثلها في قوله تعالى: { الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم * بِهِمُ * مُّشْرِكُونَ } ( النحل: 100 ) والمعنى: أنّ خلق الإنسان من نطفة ، وتقويمه بشرًا سويًا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي ، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر: لا ترى دليلًا أوضح منه على