فهرس الكتاب

الصفحة 2658 من 2833

عداهم ، كأنه قال: ولتخالف حالهم حال الشاكين المرتابين من أهل النفاق والكفر . فإن قلت: كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون ، والسورة مكية ، ولم يكن بمكة نفاق ، وإنما نجم بالمدينة ؟ قلت: معناه وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة { وَالْكَافِرُونَ } بمكة { مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَاذَا مَثَلًا } وليس في ذلك إلا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب ، وذلك لا يخالف كون السورة مكية . ويجوز أن يراد بالمرض: الشك والارتياب ، لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم قاطعين بالكذب . فإن قلت: قد علل جعلهم تسعة عشر بالاستيقان وانتفاء الارتياب وقول المنافقين والكافرين غرضًا ؟ قلت: أفادت اللام معنى العلة والسبب ، ولا يجب في العلة أن تكون غرضًا ، ألا ترى إلى قولك: خرجت من البلد لمخافة الشر ، فقد جعلت المخافة علة لخروجك وما هي بغرضك . { مَثَلًا } تمييز لهذا ، أو حال منه ، كقوله: { هَاذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءايَةً } ( هود: 64 ) ، فإن قلت: لم سموه مثلا ؟ قلت: هو استعارة من المثل المضروب . لأنه مما غرب من الكلام وبدع ، استغرابًا منهم لهذا العدد واستبداعًا له . والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب ، وأي غرض قصد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين سواء ، ومرادهم إنكاره من أصله ، وأنه ليس من عند الله ، وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص . الكاف في { كَذَلِكَ } نصب ، وذلك: إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى ، أي: مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي المؤمنين ، يعني: يفعل فعلا حسنًا مبنيًا على الحكمة والصواب ، فيراه المؤمنون حكمة ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة فيزيدهم إيمانًا ، وينكره الكافرون ويشكون فيه فيزيدهم كفرًا وضلالا { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ } وما عليه كل جدد من العدد الخاص من كون بعضها على عقد كامل وبعضها على عدد ناقص ، وما في اختصاص كل جند بعدده من الحكمة { إِلاَّ هُوَ } ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك كما لا يعرف الحكمة في أعداد السموات والأرضين وأيام السنة والشهور والبروج والكواكب وأعداد النصب والحدود والكفارات والصلوات في الشريعة أو: وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو ، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها وهو يعلمها . وقيل: هو جواب لقول أبي جهل: أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر ، وما جعلنا أصحاب النار إلى قوله إلا هو: اعتراض . وقوله: { وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَى } متصل بوصف سقر وهي ضميرها أي: وما سقر وصفتها إلا تذكرة { لِلْبَشَرِ } أو ضمير الآيات التي ذكرت فيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت