فهرس الكتاب

الصفحة 2552 من 2833

اللذين هما من عملكم . والمعنى: هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم ، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح ، وتكونوا بأجمعكم عبادًا شاكرين ، فما فعلتم مع تمكنكم ، بل تشعبتم شعبًا ، وتفرقتم أممًا ؛ فمنكم كافر ومنكم مؤمن ، وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم . وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية ، ومنكم مؤمن به . فإن قلت: نعم ، إن العباد هم الفاعلون للكفر ، ولكن قد سبق في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ولم يختاروا غيره ، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم ؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلا واحد ؟ وهل مثله إلا مثل من وهب سيفا باترا لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرّمة فقتل به مؤمنا ؟ أما يطبق العقلاء على ذم الواهب وتعنيفه والدق في فروته كما يذمون القاتل ؟ بل إنحاؤهم باللوائم على الواهب أشد ؟ قلت: قد علمنا أنّ الله حكيم عالم بقبح القبيح عالم بغناه عنه ، فقد علمنا أن أفعاله كلها حسنة ، وخلق فاعل القبيح فعله ، فوجب أن يكون حسنًا ، وأن يكون له وجه حسن ؛ وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه ، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها { بِالْحَقِّ } بالغرض الصحيح والحكمة البالغة ، وهو أن جعلها مقارّ المكلفين ليعملوا فيجازيهم { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } وقرىء: ( صوركم ) بالكسر ، لتشكروا . وإليه مصيركم فجزاؤكم على الشكر والتفريط فيه . فإن قلت: كيف أحسن صوركم ؟ قلت: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه ، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور . ومن حسن صورته أنه خلق منتصبًا غير منكب ، كما قال عز وجل: { فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } ( التين: 4 ) . فإن قلت: فيكم من دميم مشوّه الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون ؟ قلت: لا سماجة ثم ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب ، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطًا بينًا وإضافتها إلى الموفى عليها لا تستملح ، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه . ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها ، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك ، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها . وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال ، والبيان . نبه بعلمه ما في السموات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت