وأخذ عظمًا باليًا فجعل يفته بيده وهو يقول: يا محمد ، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ ، قال صلى الله عليه وسلم: ( نعم ويبعثك ويدخلك جهنم ) وقيل: معنى قوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } فإذا هو بعد ما كان ماء مهينًا رجل مميز منطبق قادر على الخصام ، مبين: معرب عما في نفسه فصيح ، كما قال تعالى: { أَوْ مِن * يُنَشَّأُ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } ( الزخرف: 18 ) . فإن قلت: لم سمى قوله: { مَن يُحىِ الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ } مثلًا ؟ قلت: لما دلّ عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل ، وهي إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى . أو لما فيه من التشبيه ، لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله بالقدرة عليه ، بدليل النشأة الأولى ، فإذا قيل: من يحيي العظام على طريق الإنكار لأن يكون ذلك مما يوصف الله تعالى بكونه قادرًا عليه ، كان تعجيزًا لله وتشبيهًا له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه . والرميم: اسم لما بلي من العظام غير صفة ، كالرمة والرفات ، فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبر المؤنث ؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول ، ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام ويقول: إن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها . وأما أصحاب أبي حنيفة فهي عندهم طاهرة ، وكذلك الشعب والعصب ، ويزعمون أنّ الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت ، ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردّها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حيّ حساس { وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } يعلم كيف يخلق ، لا يتعاظمه شيء من خلق المنشآت والمعادات ومن أجناسها وأنواعها وجلائلها ودقائقها . ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر ، مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي ترى بها الأعراض وأكثرها من المرخ والعفار ، وفي أمثالهم: في كل شجر نار . واستمجد المرخ والعفار ، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان ، يفطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر ، على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب . قالوا: ولذلك تتخذ منه كذينقات القصارين . قرىء: ( الأخضر ) على اللفظ . وقرىء: ( الخضراء ) على المعنى: ونحو قوله تعالى: { مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ } ( الواقعة: 54 ) . من قدر على خلق السماوات والأرض من عظم شأنهما فهو على خلق الأناسي أقدر ، وفي معناه قوله تعالى: { لَخَلْقُ السَّمَاواتِ وَالاْرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } ( غافر: 57 ) . وقرىء: ( يقدر )