{ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ } أي: وما علمناه بتعليم القرآن الشعر ، على معنى: أنّ القرآن ليس بشعر وما هو من الشعر في شيء . وأين هو عن الشعر ، والشعر إنما هو كلام موزون مقفى ، يدل على معنى ، فأين الوزن ؟ وأين التقفية ؟ وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء عن معانيه ؟ وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه ؟ فإذًا لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت ، اللهمّ إلا أنّ هذا لفظه عربي ، كما أنّ ذاك كذلك { وَمَا يَنبَغِى لَهُ } وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه ، أي: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل ، كما جعلناه أمّيًا لا يتهدّى للخط ولا يحسنه ، لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض . وعن الخليل: كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام ، ولكن كان لا يتأتى له . فإن قلت:
( 939 ) فقوله: % ( أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِب % أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب ) %
( 940 ) وقوله: % ( هَلْ أَنْتَ إلاَّ أُصْبُعٌ دَمِيت % وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيت ) %
قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة ، من غير صنعة ولا تكلف ، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه إن جاء موزونًا ، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرًا ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر ، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز ، على أن الخليل ما كان يعدّ المشطور من الرجز شعرًا ، ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال: { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ } يعني: ما هو إلا ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجنّ ، كما قال: { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } ( التكوير: 27 ) وما هو إلا قرآن كتاب سماوي ، يقرأ في المحاريب ، ويتلى في المتعبدات ، وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين ، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين ؟ { لّيُنذِرَ } القرآن أو الرسول