{ كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } هم الكهنة والمتنبئة ، كشقّ ، وسطيح ، ومسيلمة ، وطليحة { يُلْقُونَ السَّمْعَ } هم الشياطين ، كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يسمعون إلى الملإ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما أطلعوا عليه من الغيوب ، ثم يوحون به إلى أوليائهم من أولئك { وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } فيما يوحون به إليهم ؛ لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا . وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة . وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم إليهم . أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس ، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم ، وترى أكثر ما يحكمون به باطلًا وزورًا . وفي الحديث:
( 790 ) ( الكلمةُ يتخطفُها الجنيُّ فيقرّها في أذنِ وليهِ فيزيدُ فيها أكثر من مائةِ كذبةٍ ) والقرّ: الصبّ . فإن قلت: كيف دخل حرف الجرّ على ( من ) المتضمنة لمعنى الاستفهام والاستفهام له صدر الكلام ؟ ألا ترى إلى قولك: أعلى زيد مررت ؟ ولا تقول: على أزيد مررت ؟ قلت: ليس معنى التضمن أن الاسم دل على معنيين معًا: معنى الاسم ، ومعنى الحرف . وإنما معناه: أن الأصل أمن ، فحذف حرف الاستفهام واستمرّ الاستعمال على حذفه ، كما حذف من ( هل ) والأصل: أهل . قال: % ( أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفْحِ الْقَاعِ ذِي الأَكَمِ ;
فإذا أدخلت حرف الجرّ على ( من ) فقدّر الهمزة قبل حرف الجرّ في ضميرك ، كأنك تقول: أعلى من تنزّل الشياطين ، كقولك: أعلى زيد مررت . فإن قلت: { يُلْقُون } ما محله ؟ قلت: يجوز أن يكون في محل النصب على الحال ، أي: تنزل ملقين السمع ، وفي محل الجرّ صفة لكل أفاك ؛ لأنه في معنى الجمع ، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف ، كأن قائلًا قال: لم تنزل على الأفاكين ؟ فقيل: يفعلون كيت وكيت . فإن قلت: كيف قيل: { وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } بعد ما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك ؟ قلت: الأفاكون هم الذين يكثرون الإفك ، ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك ، فأراد